الموقع الرسمي لشبكة السبر

توبةٌ وأوبةٌ

الحمد  مقلب الليلِ والنهارِ، ومُدبرِ الإفلاك ، ومُبيد الأجيالِ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا خَصَّنَا بِهِ فِي رمضان مِنَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى بُلُوغِ الآمَالِ وَسُبُوغِ الإِنْعَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ الَّذِي لا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ وَالأَذْهَانُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ  مُحَمَّدًا أَفْضَلُ خَلْقِهِ وَبَرِيَّتِهِ، الْمُقَدَّمُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِبَقَاءِ مُعْجِزَتِهِ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثرا إلى يوم الدين أما بعد فأُوصيكم أيها الناس  ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله، وراقبوه في شهركم ، و بقية أيامه، وشمروا عن ساعدِ الجد في أعمارِكم. قال الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ([1]).

أَيُها المُسِلِمُونَ: إنَّ الله جعل رمضانَ موسماً للخيراتِ، والمسابقةِ للصالحاتِ، ونحن قريبون من العشرِ الآواخر، والدرِ الفواخر ، والليلِ الزاخرِ، علينا أن نقف مع أنفسنا ماذا قدمنا وما أخرنا في ما مضى من رمضان، فرمضان عما قريب سيُطوى بساطه، وتُقيض خيامه، ويُسدل ستارُهُ، فهل سابقنا وسبقنا، أم فرطنا وقصرنا، فهل رمضان للصالحات، أم للفجور والذنوب،  فهل يُعقل حالُ البعضِ، كأنّه بعيداً عن رمضان، فهو يعيش في تفريطٍ وتقصيرٍ، وهروبٍ من الخيراتِ والصالحاتِ، وإِقبالٍ على الذنوبِ والسيئاتِ، فيا هذا  المقصرُ وكلنا مُقصر  أليس لك في رمضان رغبةً وحاجةً؟ أم أن القلوب قُدت من حجرٍ؟ فما تنفعها المواعظ والآياتُ والعِبرُ؟ فهل رمضانُ للهو والقنواتِ، أم للذنوب والفجورِ، وللعهر وللخنا والزمر والزنا ؟ أين الحياء والخفاء من الله والناس؟.

يا مؤمنون : إن الشهر يمضي والعمرَ ينقضي، ورمضانَ لن يعود قريبا! والله أعلم بمن يعود لرمضان ويعود عليه رمضان أعواما مديدة.

أمامكم عشرٌ جواهر، وبالخير فواخرٌ، وربكم يقبل من كل تائب ولو كان مشركاً أو كافراً، فبادر  وتُبْ ، وعجلْ ولاتتأخرْ، فالموتُ قريبٌ، ورمضان تأهب للرحيل.  قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما في قوله عز وجل: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) ([2]) . قَالَ قد دعا الله تعالى إِلَى مَغْفِرَتِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ الله ومن زعم أن عزيزا ابْنُ اللَّهِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ: (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ([3]) ثُمَّ دَعَا إِلَى تَوْبَتِهِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ، مَنْ قَالَ (أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى) ([4])  وَقَالَ: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) ([5])  قال ابن عباس رضي الله تعالى عَنْهُمَا مَنْ آيَسَ عِبَادَ اللَّهِ مِنَ التَّوْبَةِ بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ أَنْ يَتُوبَ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ([6]) .

أيها التائبون: تأملوا حالً نبِيكُم في رمضان، فإن القرآنَ كان حياةَ النبي r ، وخُلُقَه في رمضان، وفي كلِ العام، وكان يُجالس جبريل؛ لمدارسةِ القرآنِ في رمضان؛ ليزداد غذءاً لِرُوحهِ، ويسمو في رمضان في ملكوتِ اللهِ ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم   «أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»البخاري ومسلم([7]). قال ابن بطال رحمه الله: وما كانت مدارسته للقرآن إلا لتزيده رغبة فى الآخرة، وتزهدًا فى الدنيا. وفيه: دليل أن الجليس الصالح ينتفع بمجالسته وخص رمضان بذلك، لأن الله تعالى أنزل فيه القرآن إلى السماء الدنيا، ولتتأسى بذلك أمته فى كل أشهر رمضان، فيكثروا فيه من قراءة القرآن، فيجتمع لهم فضل الصيام والتلاوة والقراءة والقيام ([8]).قال قتادة يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَتْ عائشة رضي الله عنها : «أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ:«فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم  كَانَ الْقُرْآنَ»مسلم ([9])  وَ لقد إقتدى به أصحابه فكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لاَ يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ ([10])، فقرأ الصحابة القرآن وامتثلوا أوامره، وطبقوا أحكامه، فهل سرنا مثلهم؟

أيها الموحدون:  واللَّهِ لَوْ قِيلَ لأَهْلِ الْقُبُورِ تَمَنَّوْا لَتَمَنَّوْا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، إِلَى مَتَى أَنْتَ فِي ثياب  الْبَطَرِ، أَمَا تَعْلَمُ مَصِيرَ الصُّوَرِ، عَجَبًا لَكَ تُؤْمِنُ وَتَأْمَنُ الْغِيَرَ، أَمَا يَنْفَعُكَ مَا تَرَى مِنَ الْعِبَرِ، أَصُمَّ السَّمْعُ أَمْ غُشِيَ الْبَصَرُ، تَاللَّهِ إِنَّكَ لَعَلَى خَطَرٍ، آنَ الرَّحِيلُ وَدَنَا السَّفَرُ، وَعِنْدَ الْمَمَاتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ. كُلَّمَا خَرَجْتَ مِنْ ذُنُوبٍ دَخَلْتَ فِي أُخَرَ، يَا قَلِيلَ الصَّفَا إِلَى كَمْ هَذَا الْكَدَرُ، أَنْتَ فِي رَمَضَانَ كَمَا كُنْتَ فِي صَفَرٍ، إِذَا خَسِرْتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَمَتَى تَرْبَحُ، وَإِذَا لَمْ تسافر فيه نحو الْفَوَائِدُ فَمَتَى تَبْرَحُ، يَا مَنْ إِذَا تَابَ نَقَضَ، يَا مَنْ إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، يَا مَنْ إِذَا قَالَ كَذَبَ، كَمْ سَتَرْنَاكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، كَمْ غَطَّيْنَاكَ عَلَى مُخْزِيَةٍ ([11]) .

فيا أيها العاصي وكلنا ذلك لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك فأحسن الظن بمولاك وتب إليه فإنه لا يهلك على الله هالك، وتجهز لباقي رمضان والعشرِ، فمن لم يُغفر له في رمضان متى سيُغفر له؟ ([12]) .

 

وكتبه/  د.  سعد بن عبدالله السبر

 

الخميس 16 رمضان1439

 


([1]) سورة آل عمران، آية: 102.

(([2] سورة الزمر، آية:53.

(([3] سورة المائدة،آية:74.

(([4] سورة النازعات، آية:24.

(([5] سورة القصص، آية:38.

(([6] تفسير ابن كثير ط العلمية (7 / 97).

([7])  رواه البخاري  بَابُ ذِكْرِ المَلاَئِكَةِ حديث رقم 3220صحيح البخاري (4 / 113)، ورواه مسلم بَابُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ حديث رقم 2308 صحيح مسلم (4 / 1803).

([8])شرح صحيح البخارى لابن بطال (1 / 40) .

([9])رواه مسلم بَابُ جَامِعِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ أَوْ مَرِضَ صحيح مسلم (1 /512- 513).

([10])رواه البخاري بَابُ جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقْدِهِ صحيح البخاري (3 / 98).

(([11] التبصرة لابن الجوزي (2 / 79).

(([12] لطائف المعارف لابن رجب (ص: 213)

تعليق واحد

  • السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. جزاكم الله خيرا يا سيدي المحترم وثقل بها موازن حسناتكم ان شاء. انها خطبة ممتازة جدا .