فرح التوبة – خطب الجمعة

فرح التوبة – خطب الجمعة

فرح التوبة- خطب الجمعة

الحَمْدُ للهِ يُقَلِّبُ الليْلَ وَالنَّهَارَ، وَيُتَابِعُ النِّعَمَ عَلَيْنَا. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وأشكُرُهُ عَلَى سَابِغِ عَطَائِهِ، وَتَعَدُّدِ نِعَمِهِ. وَأَشْهَدُ أنَّ لَا إِلَه  إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ فِي أُلُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَفِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهْوَ السَّمِيْعُ البَصِيرُ)([1]) ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ مَنْ صَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ، وَجَادَ بالخَيْرِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْراً إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَأُوْصِيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، فَأَيَّامُ العَشْرِ وَالخَيْرِ فِيْهَا بَقِيَّةٌ عَظِيْمَةٌ، فَجِدُوا وَاجْتَهِدُوا فِي بَقِيَّةِ شَهْرِكُمْ القَلِيلَةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ([2]).

أَيُها المُسِلِمُونَ: إنَّ اللهَ مَنَّ عَلَيْنَا بِرَمَضَانَ وَإِدْرَاكِهِ، وَالتَّقَلُّبِ فِي بَسَاتِيْنِ الطَّاعَاتِ فِيهِ، وَاليَوم بَقِيَ بَقِيَّةٌ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ، فِيْهَا الزُّبْدَةُ والعِّدةُ، فَتَحْتَاجُ مِنَّا الجِدَّ وَالاجْتِهَادَ، فَهِيَ بَقِيَّةٌ وَأَيُّ بَقِيَّةٍ؟ بَقِيَّةٌ مِنَ العَشْرِ وَالأَوَاخِرِ، تُرْجَى فِي لَيَالِيْهَا لَيْلةُ القَدْرِ، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ  ، أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي المنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ  : « أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ »البخاري ومسلم ([3]).وَلِلْعِتْقِ بَقِيَّة، فَكُلُ لَيْلَةٍ يٌعتقُ اللهُ عِندَ الفِطْرِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ  : “ لِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ “الترمذي وصححه الألباني([4]) .

أَيُّهَا المؤْمِنُون: إِنَّ شَهَرَ رَمَضَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الرَّحِيْلِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا القَلِيل، فَمَنْ مِنْكُمْ أَحَسَنَ فِيهِ فَعَلَيْهِ التَّمَامُ وَمَنْ فَرَّطَ فَلْيَخْتِمْهُ بِالحُسْنَى وَالْعَمَل بالخِتَامِ فَاغْتَنِمُوْا مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ المدَةِ اليِسِيرَةِ وَاسْتَوْدِعُوْهُ عَمَلاً صَالحًا يَشْهَدُ لَكُمْ بِهِ عِنْدَ الملِكِ الْعَلَّامِ وَوَدِّعُوْهُ عِنْدَ فِرَاقِهِ بَأَزْكَى تَحِيَّةٍ وَسَلَامِ ([5])، فَأَحْسَنُ الْوَدَاعِ تَوْبَةٌ وَاسْتِغْفَارٌ، وَحِرْصٌ عَلَى القَبُولِ، فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الْصَّالحُ يجْتَهِدُوْنَ فِي إِتْمَامِ الْعَمَلِ وِإِكْمَالِهِ وَإِتْقَانِهِ، ثُمَّ يَهْتَمُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ بَقَبُولِهِ، وَيخَافُونَ مِنْ رَدِّهِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِيْنَ قَالَ اللهُ فيهم: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}([6])،قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : ” كُونُوا لِقُبُولِ الْعَمَلِ أَشَدَّ هَمًّا مِنْكُمْ بِالْعَمَلِ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا اللَّهَ يَقُولُ : (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ([7]) ([8]) .قال ابن دينار: الخوفُ على العملِ أن لا يُتقبلُ أشدُ من العملِ ([9]).

أيها المتقون: التوبةُ مِنْ الذُّنُوبِ مَهْمَا جَلَّتْ أَوْ دَقَّتْ، وَالمبَادَرَةُ بالرُّجُوعِ الآنَ الآنَ، فَالسُّوْقُ رَابِحٌ العاملُ فِيهِ. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضَيَ اللهُ عَنْهُمَا  فِي قَوْلِهِ: { قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً } ([10])  ، قَالَ: قَدْ دَعَا اللهُ إِلَى مَغْفِرَتِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ المسِيْحَ هُوَ الله، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ المسِيْحَ هَوَ ابْنُ اللهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عُزَيْرًا  ابْنُ اللهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ فَقِيْرٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ يَدَ اللهِ مَغْلُوْلَةً، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لهَؤُلَاءِ: { أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ([11])  ثُمَّ دَعَا إِلَى تَوْبَتِهِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ، مَنْ قَالَ: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى }([12]) ، وَقَالَ:{ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي }([13]) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :مَنْ آيَسَ عِبَادَ اللهِ مِنْ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذَا فَقَدْ جَحَدَ كِتَابَ اللهِ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ العَبْدُ أَنْ يَتُوْبَ حَتَّى يَتُوْبَ اللهُ عَلَيْهِ.

وَأَنْتَ أَنْتَ. دَعَاكَ عَلَّامُ الغُيُوبِ؛ لِتَتُوْبَ وَتَؤُوبَ فِي لحَظَاتِ الفِرَاقِ وَالْبَيْنِ  لِشَهْرٍ اكْتَحَلَتْ فِيهِ العَيْنُ ، وَحُطَّ فِيهِ الدَّيْنُ ، وَرُفِعَ إِلَى اللهِ مِنْكَ الزَّيْنُ ، فَهَلْ تَعُودُ وَتَقْطَعُ الهَجْرَ، وَتُصْلِحُ ذَاتِ البَيْنِ؟ ، أَنْتَ دَعَاكَ لِلتَّوْبَةِ، فَارْفَعِ اليَدَيْنِ وَادْعُوا بِمِلْءِ الكَفَّيْنِ، واتْرُكِ الشَّيْنَ، وَابْكِ عَلَى ذُنُوبٍ مَضَيْن ، وَكُنْ بَاكِيًا عَلَى مَرِّ القَمَرَيْنِ .قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ : ” جَالِسُوا التَّوَّابِيْنَ فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ شَيءٍ أَفْئِدَةً ([14]) .

 عباد الله:لَقَدْ أَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالتَّوْبَةِ فَقَالَ:{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً } وَوَعَدَ بِالقَبُوْلِ فَقَالَ: { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ }([15]) وَفَتَحَ بَابَ الرَّجَاءِ فَقَالَ:{لَا تَقْنَطُوْا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ } .قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: « وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفُرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِيْنَ مَرَّةً» ([16])،

لَلَّهُ أَفْرَحُ بتوبتك مِنْكَ يَا تَائِبْ.

لَلَّهُ أَفْرَحُ مِنْكَ يَا تَائِبْ.

قُلْهَا: نَعَمْ تَائِبْ، قُلْهَا: نَعَمْ تَائِبْ.

أَفْرِحْ إِلَهَ العَالَمِين، أَفْرِحْ مُجِيْبَ التائبين.

وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  : ” لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ “مسلم ([17])،و عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ  ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ، يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ»مسلم ([18]) .

أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَحْسِنُوا الظَنَّ بِالله وَ أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا الخَيْرَ وَالْعَفْوَ وَالمغْفِرَةَ وَالقَبُولَ مِنْ الرَّحْمَنِ الْرَّحِيْمِ الْكَرِيْمِ الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يُبَالِي، فعَنْ أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: ” قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً “قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ ([19])وصححه الألباني.

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  : ” إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي ” مسلم ([20]) . (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بٍي) قَالَ الْقَاضِي: قِيْلَ مَعْنَاهُ بِالْغُفْرَانِ لَهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ وَالْقَبُولِ إِذَا تَابَ وَالِإجَابَةَ إِذَا دَعَا وَالْكِفَايَةَ إِذَا طَلَبَ الْكِفَايَةَ، وَقِيْلَ: المرَادُ بِهِ الْرَّجَاءُ وَتَأْمِيْلُ الْعَفْوِ وَهَذَا أَصَحُّ ([21]) .

أَيُّهَا العَاصِي وكُلُنَا عَاصِي: لَا تَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِسُوءِ أَعْمَالِكَ، فَكَمْ يُعْتِقُ مِنْ النَّارِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مِنْ أَمْثَالِي وَ أَمْثَالِكَ ؟، فَأَحْسِنْ الظَنَّ بِمَوْلَاكَ، وَتُبْ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَهْلَكُ عَلَى اللهِ هَالِكٌ ([22]). قَالَ الحَسَنُ: أَكْثِرُوا مِنْ الاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ؟.

 إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ … فَمَنْ الَّذِي يَرْجُو وَيَدْعُو المذْنِبُ

لِمَ لَا يُرْجَى العَفُوُ مِنْ رَبِنَا؟ وَكَيْفَ لَا يُطْمَعُ فِي حِلْمِهِ ؟ وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ بِعَبْدِهِ أَرْحَمُ مِنْ أُمِّهِ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ  : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ  سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ  : «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ  : «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» البخاري ومسلم ([23])، : {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}([24]) . قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ عَوِّدْ لِسَانَكَ الاسْتِغْفَارَ فَإِنَّ للهِ سَاعَاتٍ لَا يُرَدُّ فِيْهِنَّ سَائِلٌ، وَقَدْ جَمَعَ اللهُ بَيْنَ التَّوْحِيْدِ وَالاسْتِغْفَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} ([25])،فالاسْتِغْفَارُ خِتَامُ الأَعْمَالِ الْصَّالِحَةِ كُلِهَا فَيُخْتَمُ بِهِ الصَّلَاةُ والحَجُ وَقِيَامُ الليلِ، ويُختمُ به المجَالِسُ، فَإِنْ كَانَتْ ذِكْراً، كَانَ كَالطَّابِعِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَغْواً كَانَ كَفَّارةً لهَا، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَخْتِمَ صِيَامَ رَمَضَانَ بِالاسْتِغْفَارِ، وَكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِالعَزِيْزِ إِلَى الأَمْصَارِ يَأْمُرُهُمْ بِخَتْمِ رَمَضَانَ بِالاسْتِغْفَارِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّ الْفِطْرَةَ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ اللغْوِ وَالرَّفَثِ، وَالاسْتِغْفَارُ يُرَقِّعُ مَا تَخَرَّقَ مِنْ الصِّيَامِ باللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ: قُولُوا كَمَا قَالَ أَبُوكُمْ آدَمُ: – عَلَيْهِ السَّلَام -: { رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ }([26]) { إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ }([27]).{ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي }([28]) وَقُولُوا كمَا قَالَ ذُو النُّونِ: { لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }([29])  . وَقَالَ تَعَالَى كَذَلِكَ فِي وَصْفِهِمْ:  (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ([30]) ، قَالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللهُ: “قَامُوا الليلَ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ، وكَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يُصَلِّي مِنْ الليلِ ثُمَّ يَقُولُ: (يَا نَافِعُ هَلْ جَاءَ السَّحَرُ؟) فَإِذَا قَالَ: نَعَم، أَقْبَلَ عَلَى الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ حَتَّى يُصْبِحَ ([31]) ،.قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: “كَانَ يُقَالُ: مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي رَمَضَانَ، فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ فِيمَا بَقِي” ([32]).

عِبَادَ اللهِ :كَيْفَ لَا تُجْرَى للْمُؤْمِنِ عَلَى فِرَاقِهِ دُمُوع؟ وَهْوَ لَا يَدْرِي هَلْ سَيَرْجِعُ رَمَضَانُ، وَهَلْ بَقِيَ لَهُ رُجُوع؟.

أين حرق المشَمِّرِينَ في أوقَاتِهِ؟ أيْنَ قَلَقُ القَانِتِينَ فِي أَوْتَارِهِ؟ إِذَا كَانَ هَذَا جَزَعُ مَنْ جَدَّ فِيهِ, فَكَيْفَ حَالُ مَنْ ضَيَّعَ وَفَرَّطَ فِي أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ؟.

الخطبة الثانية……..

الحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمًا لِشَأْنِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المسْلِمُونَ، وَأعْلَمُوا أَنَّ زَكاةَ الفِطْرِ، يَجِبُ إِخْرَاجُهَا عَنْ الكَبِيْرِ وَالصَّغِيرِ وَالذَّكَرِ وَالأُنثَى وَالحُرِّ وَالعَبْد؛ لحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ  زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ»البخاري ومسلم ([33])، وَيجِبُ إَخْرَاجُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَيْلَةَ العِيْدِ وَهُوَ يَمْلِكُ مَا يَزِيْدُ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخرِجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَوَالِدَيْهِ وَأَوْلَادِهِ، وَيخْرِجُ زكَاةَ الفِطْرِ فِي البَلَدِ الذِّي وَافَاهُ تَمَامَ الشَّهْرِ وَهُوَ فِيهِ، ويجوز يرسلها لغيره، وَتُدْفَعُ زكَاةُ الفِطْرِ إِلَى مَنْ يجُوزُ دَفْعُ زكَاةِ المالِ إِلَيْهِ الفُقَرَاءُ وَالمسَاكِينُ، فَيَدْفَعُهَا إِلَى المسْتَحِقِّ ويتحرّى في ذلك.  وَوَقْتُ الإِخْرَاجِ يَبْدَأُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ العِيْدِ، وَالأَفْضَلُ مَا بَيْنَ صَلَاة الفَجْرِ وَصَلَاةِ العِيْدِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ العِيْدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ جَازَ؛ لأَنَّ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ»البخاري ([34])، وَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ صَلَاة العِيدِ أَثِمَ وَ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ فَاتَ يَوْمُ العِيْدِ وَلَمْ يخْرِجْهَا، فَإِنَّهُ يَقْضِيْهَا وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ، وَيجُوزُ للفَقِيرِ إِذَا قَبَضَ صَدَقَةَ الفِطْرِ أَنْ يخْرِجْهَا عَنْ نَفْسِهِ.

إخوة الدين: عَلَيْكُمْ بالتَّكْبِيْرِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ([35]) ، فيُسنّ التَّكبيرُ لَيْلَةَ العِيْدِ والجَّهْر بِهِ فِي المسَاجِدِ وَالبُيُوتِ وَالأَسْوَاقِ تَعْظيمًا للهِ وَشُكْرًا لَهُ عَلَى تَمَامِ النِّعْمَةِ.

أيها القانتون: احْرِصُوا عَلَى صَلَاةِ العِيْدِ، وَلَا تتَزَيَّنُوا لهَا بِعِصْيَان رَبِّ العَبِيْدِ  فَإِنَّهَا مِنْ تَمَامِ ذِكْرِ اللهِ، وَشُكْرِهِ وَالشُّكْرُ بِالخَوْفِ لَا بِالْعِصْيَانِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) ([36])،وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدُرِيّ وَابْنُ عُمَرَ: أَنَّ ذَلِكَ فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ، وَصَلَاةِ العِيْدِ.

 فاحرصوا ـ رحمني الله وإياكم ـ عليها، فقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبها.

وعليكم بصيام ستة أيام من شوال، فعن أبي أيوب الأنصاري  أن رسول الله  قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر)) مسلم([37]).

وكتبه / د. سعد بن عبدالله السبر

الثلاثاء 25رمضان1438

0504250193

salsaber@hotmail.com

 

 _______________________________________________

( [1]) سورة الشورى، آية:11.

([2]) سورة آل عمران، آية: 102.

( [3]) رواه البخاري  باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر حديث رقم 2015صحيح البخاري (3 / 46)، و رواه مسلم بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، وَبَيَانِ مَحَلِّهَا وَأَرْجَى أَوْقَاتِ طَلَبِهَا حديث رقم 1165 صحيح مسلم (2 / 822).

( [4]) رواه الترمذي سنن الترمذي (3 / 57)  حكم الألباني : صحيح.

( [5]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 216)

( [6]) سورة المؤمنون، آية: 60.

( [7]) سورة المائدة، آية: 27.

( [8]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1 / 75).

( [9]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 209) .

([10]) سورة الزمر ، آية:53.

([11])سورة المائدة ، آية :74.

([12]) سورة النازعات ، آية:24.

([13]) سورة القصص ، آية :38 .

([14])الزهد لوكيع (ص: 544) .

( [15]) سورة الشورى، آية:25.

( [16])  رواه البخاري  باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة حديث  6307 صحيح البخاري (8 / 67)

( [17]) رواه مسلم  حديث رقم (2747)صحيح مسلم (4 / 2104)

( [18])  رواه مسلم  حديث رقم 2748صحيح مسلم (4 / 2105)

( [19]) رواه الترمذي   حديث رقم 3540 سنن الترمذي (5 / 548) وصححه الألباني

( [20]) رواه مسلم حديث رقم 2675صحيح مسلم (4 / 2067)

( [21]) شرح النووي على مسلم (17 / 2)

( [22]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 213) .

( [23]) رواه البخاري بَابُ رَحْمَةِ الوَلَدِ وَتَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ حديث رقم 5999 صحيح البخاري (8 / 8)، ورواه مسلم بَابٌ فِي سِعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ حديث رقم2754 صحيح مسلم (4 / 2109).

( [24]) سورة الزمر، آية: 53.

( [25]) سورة محمد: 19.

([26]) سورة الأعراف ، آية: 23.

([27]) سورة هود ، آية: 47.

([28]) سورة القصص ، آية: 16 .

([29]) سورة الأنبياء ، آية: 87 .

( [30]) سورة الذاريات، آية: 18.

( [31]) رواه الطبراني  عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ذكر سنه ووفاته حديث رقم 13043  المعجم الكبير للطبراني (12 / 260) .

( [32]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 211).

( [33]) رواه البخاري بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الفِطْرِ حديث رقم 1503 صحيح البخاري (2 / 130)، ورواه مسلم بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ حديث رقم 984 صحيح مسلم (2 / 677).

( [34]) رواه البخاري  بَابٌ: صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ حديث رقم 1511 صحيح البخاري (2 / 132)

( [35]) سورة البقرة، آية:185.

( [36]) سورة الأعلى:14-15.

( [37]) رواه مسلم بَابُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ إِتْبَاعًا لِرَمَضَانَ حديث رقم 1164صحيح مسلم (2 / 822) .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى