جامع الأميرة موضي السديري بالعريجاء
21-04-2008, 11:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الارتجال في حياة الرجال *
الارتجالية في حياة الرجال حلوة ومرة ، ولكن مرها يغلب حلوها ، أولها إقدام وشجاعة وآخرها خور وندامة ، إذ في النادر ما تجلب لصاحبها خيراً وأتباعه السائرين على منهاجه .
ولو تأملت بعين البصيرة والنظر في أبناء بلادنا العربية لوجدت الارتجال سمة غالبة على رجالها وأبنائها . ارتجال للرأي والطرح ، وارتجال للتوجيه والإرشاد والاحتساب ، وصنع القرار ... علاجات خاطئة خاطفة عجلى ... لقضايا الأمة الكبرى ، بل وصل الأمر إلى ارتجال الفتيا والطب وقضايا المجتمع . الكثير اليوم لا يرى بأساً في أن يعلن رأيه الذي يدور بخلده فيعلنه بلسانه ، أو يسطره ببنانه . دافعهم على اختلاف مشاربهم ، إما الحماس والغيرة على الدين ، أو الاستبداد بالرأي ، أو طلب المال ، أو حب الظهور واللمعان . وكل ذلك - وأيم الله - محض الخطأ والجنوح عن الصواب .
فلم العجلة والسباق والخوض في قضايا المجتمع التي هي في أمس الحاجة إلى كبار رجالات الأمة وأساطينها العظام ، ألا ترى أن المغامرة وليدة المكابرة .
وعلى كل حال فالعجلة في ابن آدم صفة غالبة : تأمل قول الباري سبحانه وتعالى : ( خلق الإنسان من عجل ) .
قال صاحب التحرير والتنوير : ضعف صفة الصبر في الإنسان من مقتضى التفكير في المحبة والكراهية فإذا فكر العقل في المحبوب استعجل حصوله بداعي المحبة ، وإذا فكر في المكروه استعجل إزالته بداعي الكراهية ، فكأنه مخلوق من العجلة .
ثم إن أفراد الناس متفاوتون في الاستعجال على حسب تفاوتهم في غور النظر والفكر ولكنهم مع ذلك لا يخلون عنه . أهـ.
أرأيت يا صاحبي كيف يخرج السرعان من الناس في الصحافة والإعلام فيأتوا بما لم يحيطوا بعلمه ؟ أرأيت كيف يأتي طالب العلم فيحلل ويحرم ويتسرع ويأخذ زمام الفتوى ، وكأن البلاد خالية الوفاض من العلماء وأرباب الفتيا ؟ أما سمعت تصريحات ودعايات نفرٍ من بعض أفراد المجتمع يأتي أحدهم فيقترح ويشرق ويغرب ويعد الناس بما لم تستطعه الأوائل ؟
أقرأت ما يسطره الكتبة وأساتذة التصنيف والتأليف من آراء عجيبة وأفكار غريبة . بل مما يزيد الطين بِلْه أن البعض جعل نفسه حكيماً ومتطبباً يصف الدواء لذي السقام وذي الظنى..!
ولقد أعجبني الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته حين عاتب كاتباً على تعديه على القرآن فقال : ..- أكلما طاف برأسك طائف من هوى أثبته على الورق وخرجت به مزهواً على الناس وقلت : هذه حرية الفكر أما إنه ليجيئ في فكري أنا الآن كلام عنك لولا أني لم أعرض المقالة على الأستاذ الزيات ، وأخاف أن يغضب إن حططت بثقلي عليك لقلته فما تركتك تستطيع أن تمشي في الجامعة أو تتراءى للطلاب . الذكريات ج 6 .
وهنا ترى الكاتب الأديب يحيطك علماً وينبئك خبراً أن الكتابة لا تبني على الهوى وخواطر النفس بل إن الروية المشورة دلالة الرشاد والهدى .
أيها الأحبة : إن هذا الحديث دعوة لكاتبه وقارئه إلى أن نجعل التأني والتروي شعاراً لنا في مسيرة حياتنا. وأن نتخذ من المشورة منهجاً نربي عليه أنفسنا ، ونأطرها عليه أطراً ،
قال الشاعر :
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
ليست القضية يا سادة قضية عواطف أو نوايا وأمنيات بل هي أكبر من ذلك بكثير .
واعلم يا أيها الرجل النبيه أن من أبناء الأمة من يتخذ من قلمك ونصحك وكتاباتك وفكرك ودعوتك قدوة له ، ومنهاجاً ، وشجرة يستظل بها ، وعيناً يرتوي من مائها ، ودرباً لا يحيد عنه ، فإياك أن يكون ما تدعو إليه فتنة لهم ومتاعاً إلى حين .
وختاماً ..
أقول هل لك أن تطلق لعجلة سيارتك العنان يوماً لتسير حيث بك شاءت عندها ستعلم إلى أي واد تهديك وإلى أي مسار ترديك . وكذلك عجلة الطباع تقود صاحبها إلى شر البقاع .
وفق الله الجميع للسداد في القول والعمل ،
وصلى الله على نبينا محمد .
من مقالات الشيخ محمد بن أحمد الشهري
مؤذن جامع الأميرة موضي السديري بالعريجاء
"منشور بجريدة الدعوة والجزيرة"
الارتجال في حياة الرجال *
الارتجالية في حياة الرجال حلوة ومرة ، ولكن مرها يغلب حلوها ، أولها إقدام وشجاعة وآخرها خور وندامة ، إذ في النادر ما تجلب لصاحبها خيراً وأتباعه السائرين على منهاجه .
ولو تأملت بعين البصيرة والنظر في أبناء بلادنا العربية لوجدت الارتجال سمة غالبة على رجالها وأبنائها . ارتجال للرأي والطرح ، وارتجال للتوجيه والإرشاد والاحتساب ، وصنع القرار ... علاجات خاطئة خاطفة عجلى ... لقضايا الأمة الكبرى ، بل وصل الأمر إلى ارتجال الفتيا والطب وقضايا المجتمع . الكثير اليوم لا يرى بأساً في أن يعلن رأيه الذي يدور بخلده فيعلنه بلسانه ، أو يسطره ببنانه . دافعهم على اختلاف مشاربهم ، إما الحماس والغيرة على الدين ، أو الاستبداد بالرأي ، أو طلب المال ، أو حب الظهور واللمعان . وكل ذلك - وأيم الله - محض الخطأ والجنوح عن الصواب .
فلم العجلة والسباق والخوض في قضايا المجتمع التي هي في أمس الحاجة إلى كبار رجالات الأمة وأساطينها العظام ، ألا ترى أن المغامرة وليدة المكابرة .
وعلى كل حال فالعجلة في ابن آدم صفة غالبة : تأمل قول الباري سبحانه وتعالى : ( خلق الإنسان من عجل ) .
قال صاحب التحرير والتنوير : ضعف صفة الصبر في الإنسان من مقتضى التفكير في المحبة والكراهية فإذا فكر العقل في المحبوب استعجل حصوله بداعي المحبة ، وإذا فكر في المكروه استعجل إزالته بداعي الكراهية ، فكأنه مخلوق من العجلة .
ثم إن أفراد الناس متفاوتون في الاستعجال على حسب تفاوتهم في غور النظر والفكر ولكنهم مع ذلك لا يخلون عنه . أهـ.
أرأيت يا صاحبي كيف يخرج السرعان من الناس في الصحافة والإعلام فيأتوا بما لم يحيطوا بعلمه ؟ أرأيت كيف يأتي طالب العلم فيحلل ويحرم ويتسرع ويأخذ زمام الفتوى ، وكأن البلاد خالية الوفاض من العلماء وأرباب الفتيا ؟ أما سمعت تصريحات ودعايات نفرٍ من بعض أفراد المجتمع يأتي أحدهم فيقترح ويشرق ويغرب ويعد الناس بما لم تستطعه الأوائل ؟
أقرأت ما يسطره الكتبة وأساتذة التصنيف والتأليف من آراء عجيبة وأفكار غريبة . بل مما يزيد الطين بِلْه أن البعض جعل نفسه حكيماً ومتطبباً يصف الدواء لذي السقام وذي الظنى..!
ولقد أعجبني الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته حين عاتب كاتباً على تعديه على القرآن فقال : ..- أكلما طاف برأسك طائف من هوى أثبته على الورق وخرجت به مزهواً على الناس وقلت : هذه حرية الفكر أما إنه ليجيئ في فكري أنا الآن كلام عنك لولا أني لم أعرض المقالة على الأستاذ الزيات ، وأخاف أن يغضب إن حططت بثقلي عليك لقلته فما تركتك تستطيع أن تمشي في الجامعة أو تتراءى للطلاب . الذكريات ج 6 .
وهنا ترى الكاتب الأديب يحيطك علماً وينبئك خبراً أن الكتابة لا تبني على الهوى وخواطر النفس بل إن الروية المشورة دلالة الرشاد والهدى .
أيها الأحبة : إن هذا الحديث دعوة لكاتبه وقارئه إلى أن نجعل التأني والتروي شعاراً لنا في مسيرة حياتنا. وأن نتخذ من المشورة منهجاً نربي عليه أنفسنا ، ونأطرها عليه أطراً ،
قال الشاعر :
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
ليست القضية يا سادة قضية عواطف أو نوايا وأمنيات بل هي أكبر من ذلك بكثير .
واعلم يا أيها الرجل النبيه أن من أبناء الأمة من يتخذ من قلمك ونصحك وكتاباتك وفكرك ودعوتك قدوة له ، ومنهاجاً ، وشجرة يستظل بها ، وعيناً يرتوي من مائها ، ودرباً لا يحيد عنه ، فإياك أن يكون ما تدعو إليه فتنة لهم ومتاعاً إلى حين .
وختاماً ..
أقول هل لك أن تطلق لعجلة سيارتك العنان يوماً لتسير حيث بك شاءت عندها ستعلم إلى أي واد تهديك وإلى أي مسار ترديك . وكذلك عجلة الطباع تقود صاحبها إلى شر البقاع .
وفق الله الجميع للسداد في القول والعمل ،
وصلى الله على نبينا محمد .
من مقالات الشيخ محمد بن أحمد الشهري
مؤذن جامع الأميرة موضي السديري بالعريجاء
"منشور بجريدة الدعوة والجزيرة"