سعد السبر
17-05-2008, 11:30 AM
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ
عقد التوريد والمقاولة في ضوء التحديات الاقتصادية المعاصرة
(رؤية شرعية)
بحث مقدم إلى مؤتمر
"الإسلام والتحديات المعاصرة"
المنعقد بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية
في الفترة: 2-3/4/2007م
إعداد:
د. أحمد ذياب شويدح
أستاذ مشارك في الفقه المقارن – كلية الشريعة والقانون – الجامعة الإسلامية – وعميد كلية الشريعة والقانون ... أ. عاطف أبو هربيد
ماجستير في الفقه المقارن – كلية الشريعة والقانون – الجامعة الإسلامية – ورئيس قسم الشريعة الإسلامية
أبريل/ 2007
ملخص
هدفت هذه الدراسة الوقوف على حقيقة عقود التوريد والمقاولات وتكييفها الشرعي ومدى مشروعيتها، خاصة وأنها قد برزت أهميتها في المعاملات الاقتصادية في ظل الواقع والتحديات الاقتصادية والصناعية التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وقدوة المربين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، وبعد:
إن المجتمع العربي والإسلامي في جملته مجتمعاً استهلاكياً وليس صناعياً؛ مما يدفعها إلى استيراد ما توصل إليه العالم الصناعي من تقنيات صناعية عالية، أو استصناعها، كالآلات والمعدات الحديثة؛ لأهميتها الاقتصادية والعلمية، ودورها الخطير في تقديم خدمات الصحة والتعليم والدفاع وغير ذلك مما تتوقف عليه الحفاظ على مصالح الأمة، كما أن عقود التوريد والمقاولات قد تكون عقوداً عامة، وقد تكون عقوداً خاصة يعقدها الأفراد أو الشركات.
أهمية البحث:
تكمن أهمية البحث في النقاط التالية:
إن الشريعة لها مقاصد وغايات تعمل على رعايتها، وعقود التوريد والمقاولات لها علاقة مهمة وكبيرة بهذه المقاصد وهذه الغايات، مما يستدعي بيان الأحكام المترتبة عليها.
التحديات المعاصرة التي تتمثل في التقدم العلمي والصناعي عند الغرب مع ما يقابله من تأخر في هذا المجال عند العالم العربي والإسلامي؛ مما يستلزم إجابات شرعية على تلك العقود التي تهدف إلى استيراد ما عجزت الأمة عن صنعه أو إنتاجه وهي بأمس الحاجة إليه..
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى تحقيق ما يلي:
تقديم ورقة عمل للمشاركة في مؤتمر الإسلام والتحديات المعاصرة، للمساهمة في بيان دور الإسلام في معالجة المشكلات الناجمة عن تأخر الأمة صناعياً وعلمياً، وحاجتها إلى استيراد ما عجزت عن صنعه.
الوقوف على حقيقة عقد التوريد وعقد المقاولة.
بيان التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقدي التوريد والمقاولة.
منهج البحث وخطته:
يقوم البحث على المنهج التحليلي الاستنباطي من خلال النصوص الشرعية من القرآن والسنة وأقوال العلماء، وقد تم إعداد خطة البحث بعد المقدمة السابقة كما يلي:
المبحث الأول: عقود التوريد وأنواعها.
…المبحث الثاني: التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد التوريد.
…المبحث الثالث: عقود المقاولات وأنواعها.
…المبحث الرابع: التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد المقاولة.
…الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات.
المبحث الأول
عقود التوريد وأنواعها
…إن عقود البيع يختلف مآلها باختلاف طبيعة محل العقد، فقد يكون سلعة موجودة أو غير موجودة، وحينئذٍ يؤول العقد إما إلى بيع أو إلى ما يشبه السلم، وهي بذلك تؤول إلى ما يُعرف بعقود التوريد، وقد يكون محل العقد عملاً أو منفعة، وفي هذه الحالة يؤول العقد إما إلى إجارة أو إلى استصناع، وهي بذلك تؤول إلى ما يُعرف بعقود المقاولة.
فالعقود التي يكون محل العقد فيها سلعة وهذه السلعة موجودة عند البائع، أو غير موجودة عنده ولكنه قادر على إحضارها عند موعد الاستحقاق تُسمى عقود توريد، وقبل الشروع في بيان أهم أحكام هذا النوع من العقود من الأهمية بمكان التعريف بعقود التوريد وذلك كما يلي:
المطلب الأول: تعريف عقود التوريد:
أولاً: تعريف التوريد لغة:
…التوريد مأخوذ من الفعل وَرَدَ يرِد وروداً، ووَرَدَ له عدة معان منها وَرَدَ بمعنى حضر، وأورده واستورده أحضره (الرازي، 1995: 298؛ ابن منظور، د. ت.: 3/457؛ الفيومي، 1997: 337)، وهذا المعنى هو المراد هنا.
ثانياً: تعريف عقد التوريد اصطلاحاً:
…يعتبر عقد التوريد من العقود المعاصرة التي لم يبحثها الفقهاء المتقدمون، وكانت أكثر تطبيقاته في العقود الإدارية؛ ولذلك كانت أكثر تعريفات الباحثين لعقد التوريد تتناوله على أنه من العقود الإدارية، فقد نقل الطماوي تعريف محكمة القضاء الإداري في مصر لعقد التوريد بأنه:" اتفاق بين شخص معنوي من أشخاص القانون العام وبين فرد أو شركة، يتعهد بمقتضاه الفرد أو الشركة بتوريد منقولات معينة للشخص المعنوي لازمة لمرفق عام مقابل ثمن معين"(الطماوي، 1991: 121؛ المطلق، 1993: 24).
…ويشير المطلق (المطلق، 1993: 24) إلى أن هذا التعريف قد قصر عقد التوريد على ما كان أحد طرفيه شخصاً معنوياً من أشخاص القانون العام، مع أن عقد التوريد قد يكون عقداً خاصاً بين الأفراد، أو بين الأفراد والشركات الخاصة، أو بين الشركات الخاصة فيما بينها، كما أن الفقه الإسلامي لا يفرق بين العقود الإدارية والعقود الخاصة.
…ويعرّف المصري (المصري، 1996: 205) عقد التوريد بأنه:" عقد بين جهة إدارية عامة (أو جهة خاصة) ومنشأة خاصة (أو عامة)، على توريد أصناف محددة الأوصاف، في تواريخ معينة لقاء ثمن معين، يُدفع على نجوم".
ويلاحظ المطلق (المطلق، 1993: 25) أن عقد التوريد كما يكون منجماً على دفعات، يمكن أن يكون منجزاً على دفعة واحدة، ومثال ذلك: كما لو تعاقدت دائرة حكومية أو مؤسسة خاصة مع شركة استيراد أجهزة حاسوب على توريد مائة جهاز حاسوب بأوصاف معينة دفعة واحدة.
وبناءً على ما سبق فإن المطلق (المطلق، 1993: 25) عرّف عقد التوريد بأنه:" عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين تسليم الطرف الآخر أشياء منقولة بثمن معين".
الترجيح:
يرجح الباحثان لتعريف عقد التوريد ما اختاره المطلق؛ لسلامة تعريفه من الاعتراضات سابقة الذكر، وعليه فإن عقود التوريد هي: العقود التي يتعهد بمقتضاها أحد المتعاقدين تسليم الطرف الآخر أشياء منقولة بثمن معين.
المطلب الثاني: أقسام عقود التوريد:
…الملاحظ أن عقود التوريد تتعدد أقسامها بحسب اعتبارات مختلفة هي على النحو التالي:
الفرع الأول: باعتبار مدى حرية المتعاقدين في قبول العقد أو رفضه:
…وبهذا الاعتبار تنقسم عقود التوريد إلى قسمين هما:
1- عقود التوريد الموحدة:
…وهي العقود التي تُعقد لأجل توريد خدمات الماء والكهرباء والغاز والهاتف، ويُلاحظ في هذه العقود أن أحد طرفي العقد وهي الجهة المقدمة للخدمات تقف موقف القوي المستغني، بينما يقف الطرف الآخر موقف المذعن المحتاج الذي تُملى عليه الشروط (المطلق، 1993: 31).
…ويرى المطلق (المطلق، 1993: 31) أن هذه العقود شبيهة بعقود الشراء المستمر كأن يشتري الإنسان لبن الشاة شهراً، كما أنه لا يعلم أحداً من العلماء يشترط تسليم الثمن مقدماً فيها، ولا يجعل ذلك من باب السلم.
2- عقود التوريد الحرة:
…وهي تلك العقود التي يتمتع فيها كل من طرفي العقد بحريته التامة في إنشاء العقد وتحديد شروطه، وغالبية عقود التوريد تندرج تحت هذا النوع.(المطلق، 1993: 32).
الفرع الثاني: باعتبار طبيعة العقد:
…وتنقسم عقود التوريد بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1- عقود التوريد الإدارية:
…وهي تلك العقود التي يكون أحد طرفيها جهة إدارية حكومية، وموضوع هذه العقود يتعلق بمصلحة المرافق الحكومية العامة، كتوريد الملابس للعسكريين والمرضى والرياضيين من موظفي الحكومة، وتوريد الأطعمة لمؤسسات الجيش والمستشفيات الحكومية، وتوريد المفروشات كالمكاتب والمقاعد، والأدوات المكتبية كأجهزة الحاسوب وغيرها للدوائر الحكومية. (المطلق، 1993: 32).
2- عقود التوريد الخاصة:
…وهي العقود التي لا تكون أية جهة إدارية حكومية طرفاً فيها، وإنما الطرفان فيها من الأفراد أو الشركات الخاصة (المطلق، 1993: 32)، كتوريد أثاث مدرسي من قبل شركة خاصة لمدرسة خاصة غير حكومية، وتوريد أدوية لمستشفى خاص غير حكومي والمورد شركة خاصة، وغيرها.
الفرع الثالث: باعتبار موضوع العقد:
…وتنقسم عقود التوريد بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1- عقود التوريد العادية:
…وهي العقود التي موضوعها عبارة عن منقولات تم الاتفاق على مواصفاتها، ويكون المورد حراً في اختيار المصدر الذي يحصل من خلاله على هذه المنقولات (المطلق، 1993: 33)، وقد تكون هذه العقود خاصة أو إدارية.
2- عقود التوريد الصناعية:
…وهي العقود التي يكون موضوعها عبارة عن تسليم منقولات يصنعها المورد (المطلق، 1993: 33)، ومنها ما يكون خاصاً، ومنها ما يكون إدارياً تملك الإدارة حرية كبيرة في التدخل أثناء تصنيع وإعداد هذه المنقولات (الطماوي،1991: 125)، وعقود التوريد الصناعية يتردد تصنيفها بين عقود توريد أو مقاولات استصناع، ومن أمثلتها: الاتفاق مع مصنع أثاث لتصنيع أنواع من الأثاث بمواصفات معينة يقوم بتوريدها لجهة إدارية أو خاصة.
المبحث الثاني
التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد التوريد
عقود التوريد من العقود المعاصرة كما أُشير إلى ذلك سابقاً، ومن ثَم فحكمها هو الحكم الراجح في المسألة الخلافية القائمة على: (هل الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، أو الأصل فيها الحظر والبطلان إلا ما نص الشارع على صحته)، وليس هنا موضع بحثها، حيث رجّح الباحثان أن الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، وعليه فإن عقود التوريد تُعتبر عقوداً مشروعة.
…ويشير المصري (المصري، 1996: 205،217) إلى أن عقود التوريد تشبه عقد البيع، وتشبه بيع السلم من جهة اشتراط تحديد أوصاف المعقود عليه، والقدرة على تسليمه، وتحديد مواعيد التسليم، إلا أن المطلق (المطلق، 1993: 31 وما بعدها) يشبهها بصور فقهية بحثها الفقهاء المتقدمون كبيع موصوف في الذمة غير معين على غير وجه السلم، وكالشراء المستمر، والجمع بين البيع والإجارة، وبيع ما يتكرر قطفه، ولا يعلم أحداً من العلماء يرى أن عقود التوريد من بيع السلم.
…ونظراً لكون البدلان - المبيع والثمن - يتأجلان في عقود التوريد إلى آجال محدودة ومعلومة شبهها المصري بعقد الاستصناع (المصري، 1996: 205،217)، وتحديداً بمفهومه عند صاحبي أبي حنيفة إذ أجازوا فيه عدم تعجيل الثمن خلافاً للسلم، كما أنهما اعتبراه عقداً جائزاً غير لازم مع عدم ذكر الأجل، ولازماً بتحديده (السرخسي، 1985: 12/139 وما بعدها).
…وبناءً على أن عقود التوريد قد يتأجل فيها البدلان طُرِحت عدة شبهات كالغرر، وبيع الدين بالدين - بيع الكالئ بالكالئ - وبيع ما ليس عند الإنسان، وهذا يحتاج إلى بيان وفق المطالب التالية:
المطلب الأول: مسألة الغرر:
…يُعد تصور الغرر في عقود التوريد من أهم النتائج المترتبة على تأجيل البدلين فيها، خاصة وأن عقد البيع الذي يُعجل بدلاه أبعد عن الغرر؛ ولذلك قال الشيرازي (الشيرازي، د. ت.: 1/297) بشأن السلم:" ويجوز حالاً؛ لأنه إذا جاز مؤجلاً فلأن يجوز حالاً وهو من الغرر أبعد أولى"، بينما البيع الذي يُعجل فيه بدل ويُؤجل الآخر لا يخلو من غرر، وعليه فليس غريباً أن يُعتبر عقد السلم عقد غرر، وليس غريباً أن يُتصور ازدياد الغرر في العقد نتيجة لتأجيل البدلين فيه، فقد قال صاحب الإقناع:" لأن في السلم غرراً فلا يضم إليه غرر تأخير رأس المال" (الشربيني، 1994: 2/296).
استناداً إلى ما سبق فإن المصري (المصري، 1996: 221 وما بعدها) يبرر تصور زيادة الغرر في تأجيل البدلين بأنه جاء نتيجة لنظرة العلماء إلى البدلين، فرأوا زيادة في الغرر، ويشير لو أنهم نظروا إلى المتعاقدين لما تصوروا وجود زيادة في الغرر، ولكان المتعاقدان متساويين في تحمل المخاطرة؛ لأن الغرر لا يُنظر إليه من حيث ذاته، وإنما يُنظر إليه من حيث أثره على المتعاقد، وبالتالي فلا فرق في الغرر الناتج عن تأجيل أحد البدلين وبين الغرر الناتج عن تأجيل كليهما.
…ويرى الضرير أن تبرير المصري غير مقنع، وأن الغرر موجود وقد يدخل في الغرر غير المؤثر إذا دعت الحاجة إلى مثل هذه العقود (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/329 وما بعدها)؛ لأن الحاجة تُنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة (السيوطي، 1959: 88).
وبالرغم مما سبق ذكره فإن الضرير لم يجزم بجواز عقد التوريد وتوقف فيه (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/333 وما بعدها)، في حين أن الزرقا (الزرقا، 1968: 2/710 وما بعدها) أجاز عقود التوريد؛ بسبب الحاجة الملحة إلى حرية في أساليب التعاقد نتيجة لتطور الحياة الاقتصادية العامة
…ويعتبر الجواهري أن تأجيل البدلين في عقود التوريد لا غرر فيه؛ لأن المبيع مقسط على آجال معلومة، والثمن أيضاً محدد ومقسط على آجال معلومة، والغرر المنهي عنه هو ما تردد المعقود عليه بين الوجود والعدم (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/309؛ الجواهري، 1996: 262).
…ويرى الباحثان أن دعوى عدم الغرر في عقود التوريد والتي قد تؤول إليها بعض العقود لا تثبت؛ إذ لا يكاد عقد يخلو من يسير الغرر (العبدري، 1977: 4/365؛ الزرقاني، 1990: 3/397) وعليه فإن نفي الجواهري للغرر يمكن أن يحمل على نفي الغرر المنهي عنه، وهو ما كان كثيراً، حيث إن ما يُراد توريده محدد بأوصاف معينة وبكميات محددة ومعلومة، وهو إما أن يكون موجوداً ومتوفراً حال العقد، وإما أن يتوفر أو يوجد وقت استحقاقه، ومن ثَم فغرره قليل لا يؤثر في صحة العقد، وكذلك الأمر بالنسبة للثمن فإنه يكون معلوماً قدراً وصفة وأجلاً، وعلى فرض وجود غرر في عقود التوريد ولو كان كثيراً فإن الحاجة باتت ماسة وعامة فتُنزل منزلة الضرورة، مما يجعل هذا الغرر مغتفراً وغير مانع من صحة هذه العقود.
المطلب الثاني: مسألة بيع الدين بالدين:
…تُعد شبهة اعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الدين بالدين نتيجة أخرى مترتبة على تأجيل البدلين، خاصة وأنه بعد إبرام عقد التوريد لا يتم تعجيل البدلين أو أحدهما، بل يُؤجل كل من المبيع والثمن.
واعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الدين بالدين يحتاج إلى تحقيق وبيان، إذ إن هذا الاعتبار يستند إلى حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - حيث قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الكالئ بالكالئ"(مصنف عبدالرزاق، 1982: 8/90؛ سنن الدارقطني، 1966: 3/72،71؛ مستدرك الحاكم، 1990: 2/66،65؛ السنن الكبرى للبيهقي، 1994: 5/290؛ العلل المتناهية لابن الجوزي، 1982: 2/601)؛ مما جعل بعض العلماء كالجصاص يرى أن كل معاملة وُجدت بين اثنين وكانت نسيئة من الطرفين غير مشروعة؛ لأنه يعتبر بيع الدين بالدين من أبواب الربا (الجصاص، 1984: 2/186)، ونقل ابن المنذر الإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين (ابن المنذر،1981: 92)، وذكر ذلك أيضاً ابن رشد حيث قال: "فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لأنه الدين بالدين المنهي عنه" (ابن رشد، د. ت.: 2/94)، كما ويرى ابن تيمية وابن القيم أن بيع الدين بالدين لا يعود بالنفع على المتعاقدين؛ لانشغال ذمة كل منهما من غير فائدة (ابن تيمية، د. ت.: 29/472؛ ابن القيم، 1973: 2/9).
ويرى الثبيتي أن العقود التي يتم فيها بيع العين الموصوفة الموجودة سواء في بلد المتعاقدين أو في غير بلدهما لا يشترط فيها تسليم الثمن، أما العقود التي يكون المبيع فيها موصوفاً في الذمة أو مسلماً فيه فإنه يشترط فيها تسليم الثمن في مجلس العقد؛ لئلا يتعلق البدلان في الذمة، إذ يدخل ذلك في بيع الدين بالدين المنهي عنه في الحديث المشهور، حيث تلقته الأمة بالقبول وإن كان في سنده أو متنه بعض الاعتراضات (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/320 وما بعدها).
ولا يسلم كل من المصري والمطلق بأن عقود التوريد تدخل في بيع الدين بالدين (المصري، 1996: 219 وما بعدها؛ المطلق، 1993: 34 وما بعدها)؛ لأنه يمكن الرد على ما سبق بما يلي:
حديث الكالئ بالكالئ حديث ضعيف، فقد ذكر ابن حجر أن الحاكم صححه على شرط مسلم، ووهم؛ لأن راويه موسى بن عبيدة الربذي لا موسى بن عقبة، وأن ابن حنبل لا تحل عنده الرواية عنه، ولا يعرف هذا الحديث عن غيره، وأنه ليس في هذا حديث يصح، ونقل عن الشافعي أن أهل الحديث يوهنون هذا الحديث، وأن الدارقطني جزم في العلل بأن موسى بن عبيدة تفرد به (العسقلاني، 1964: 3/26).
إن دعوى اعتبار تأجيل البدلين في عقود التوريد يدرجها في الربا؛ لأن بيع الدين بالدين من أبواب الربا هي دعوى غير مسلمة، إذ إن البدلين في عقود التوريد مختلفان، وفيها مبادلة سلعة بنقد، فلا تدخل في الربا المحرم (المصري، 1996: 220).
إن دعوى الإجماع على تحريم بيع الدين بالدين لم تثبت، فإن ابن القيم قال: "إن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ" (ابن القيم، 1973: 2/8).
وفسر الإمام مالك الكالئ بالكالئ "أن يبيع الرجل دينا له على رجل بدين على رجل آخر" (مالك، 2/660)، واختلاف تفسير الكالئ بالكالئ دليل على عدم الإجماع على معنى واحد (المصري، 1996: 220).
وأما القول بأن في تأجيل البدلين انشغال ذمة كل من المتعاقدين من غير فائدة فليس مسلماً؛ إذ لو كان كذلك لما تعاقد بذلك أحد، وقد يكون للمتعاقدين غرض سليم في تأجيل البدلين (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/333).
الترجيح:
بناءً على ما سبق فإن الباحثين يرجحان ما خلص إليه الدكتور المصري من أن حديث بيع الكالئ بالكالئ لا يقف مانعاً من جواز عقود التوريد والمقاولة، بالإضافة إلى عموم الحاجة إليها، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (المصري، 1996: 220 وما بعدها).
ويُشار هنا أن الدكتور عبدالله المطلق يرى أن عقود التوريد يمكن إلحاقها بصور فقهية قديمة تشبهها قد بحثها المتقدمون من الفقهاء (المطلق، 1993: 33 وما بعدها)، ومن هذه الصور:
1- بيع موصوف في الذمة غير معين لا على وجه السلم:
…السلم جائز بالإجماع (ابن المنذر، 1981: 93؛ ابن رشد، د. ت.:2/151)؛ حيث أجازه الشارع بما رواه ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (صحيح البخاري: 2/781؛ صحيح مسلم: 3/1226)، والسلم يتم فيه بيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم، مع اشتراط تعجيل الثمن في مجلس العقد، أما بيع موصوف في الذمة غير معين ليس على وجه السلم فقد اختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال هي كالتالي:
القول الأول:
…يصح البيع على الصفة، قال به الحنفية، والمالكية، والشافعية في قول، والحنابلة في الأظهر، وقال به أيضاً الظاهرية (الكاساني، 1982: 5/163؛ ابن بكر، د. ت.: 5/298؛ الدردير، د. ت.:3/27؛ ابن رشد، د. ت.: 2/117؛ الشيرازي، د. ت.: 1/263؛ النووي، 1996: 9/274؛ ابن مفلح، 1979: 4/27؛ المرداوي، د. ت.: 4/299؛ ابن حزم، د. ت.: 8/389).
القول الثاني:
لا يصح البيع على الصفة، وبه قال الشافعية في الأظهر، والحنابلة في وجه (الشيرازي، د. ت.: 1/263؛ النووي، 1996: 9/274؛ ابن مفلح، 1979: 4/27؛ المرداوي، د. ت.: 4/299).
القول الثالث:
يصح البيع على الصفة إن كان قد ملكه البائع، وإلا فلا، وبه قال الحنابلة في وجه ثالث (ابن مفلح، 1979: 4/27؛ المرداوي، د. ت.: 4/299).
سبب الخلاف:
……يعود سبب الخلاف إلى اختلافهم في الغرر الناشئ عن نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالحس هل هو من الغرر الكثير أم أنه من الغرر اليسير المعفو عنه فمن رآه من الغرر الكثير منعه، ومن رآه من الغرر اليسير أجازه، ومن أثبت للمشتري خيار الرؤية رأى أنه لا غرر هناك حتى وإن لم تكن له رؤية (ابن رشد، د. ت.: 2/117).
…ويرجح الباحثان أن الغرر في عقود التوريد غير مؤثر في صحة العقد.
…ثم اختلف القائلون بصحة بيع موصوف في الذمة غير معين لا على وجه السلم في اشتراط قبض الثمن في مجلس العقد على قولين هما:
القول الأول:
…يشترط قبض الثمن في مجلس العقد؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين، وبه قال الحنفية، والحنابلة في الصحيح في مذهبهم، وقال به أيضاً الظاهرية (السرخسي، 1985: 12/127؛ ابن مفلح، 1979: 4/27؛ ابن حزم، د. ت.: 8/337).
القول الثاني:
…لا يُشترط قبض الثمن؛ لأنه بيع حال، وبه قال المالكية إذ قيدوا هذا الشرط فيما لا يُؤمن تغيره، وأجازوا دفع الثمن تطوعاً، وعدم اشتراطه مطلقاً قال به أيضاً القاضي من الحنابلة (الدردير، د. ت.: 3/27؛ ابن مفلح، 1979: 4/27).
الترجيح:
…يرى الباحثان أن حديث بيع الدين بالدين - الكالئ بالكالئ - لا يقف مانعاً من جواز عقود التوريد والمقاولة، بالإضافة إلى عموم الحاجة إليها، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة؛ كما ويُقال في هذا الخلاف ما قيل في مسألة بيع الدين بالدين السابق ذكرها.
…وبناءً على ما سبق فإن بيع الموصوف في الذمة غير المعين لا على وجه السلم يُعتبر صورة من صور عقود التوريد التي يجري التعامل بها اليوم؛ ولذلك يرى الشيخ عبدالوهاب أبو سليمان أن عقد التوريد لا إشكال فيه، بل له مخرج واسع عند المالكية، فهو من قبيل بيع الصفة التي يتأجل فيها البدلان (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/314).
2- الشراء من دائم العمل أو الشراء المستمر:
يعتبر الشراء من دائم العمل كالخباز واللحام بيعاً، ويسمى بيعة أهل المدينة، فقد كان أحدهم يبتاع اللحم بسعر معلوم، يأخذ كل يوم شيئاً معلوماً، ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء وكذلك كل ما يباع في الأسواق، ولا يكون إلا بأمر معلوم يسمي ما يأخذ كل يوم، ولم يكن يُعتبر ذلك من باب بيع الدين الدين (الحطاب، 1977: 4/583).
…ويجوز الشراء من دائم العمل بثمن معجل أو مؤجل، ويخالف بذلك السلم؛ لعدم اشتراط تعجيل الثمن وتأجيل المثمن، فهو بيع لأن البيع لا يشترط فيه واحد من الأمرين (الدسوقي، د. ت.: 3/216).
والشراء من دائم العمل له صورتان:
أن يتعاقد معه على أنه يأخذ كل يوم بعشرة دراهم خبزاً مثلاً، ويثبت لكل منهما الفسخ.
أن يأخذ جملة منه يفرقها على أيام وليس لأحدهما الفسخ في هذه الصورة (العدوي، 1991: 2/236؛ الدسوقي، د. ت.: 3/216؛ الدردير، د. ت.: 3/216).
…أما الشراء المستمر كشراء لبن الغنم شهراً، فقد رُوي عن الحسن البصري قوله بجوازه (النووي، 1996: 9/309)، وسُئل الإمام مالك: "أرأيت إن اشتريت لبن عشر شياه بأعيانها في أبان لبنها، أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: نعم ذلك جائز إذا سمى شهراً أو شهرين أو ثلاثة، وكان قد عرف وجه حلابها فلا بأس به" (مالك، د. ت.: 10/296؛ النووي، 1996: 9/309).
…ويُعتبر الشراء المستمر أو من دائم العمل أحد صور عقود التوريد المعاصرة.
ثالثاً: مسألة بيع ما ليس عنده:
…يلتزم المورد في عقود التوريد بتوريد سلع في آجال معلومة على أن تكون أوصافها مطابقة لأوصاف وشروط العقد، وهذه السلع قد تكون موجودة عنده أو غير موجودة، فهل يمكن اعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده إذا كانت السلع غير موجودة ولا يملكها؟
…وإجابة هذا السؤال تحتاج إلى فهم معنى (بيع الإنسان ما ليس عنده)، فإن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس عندك" (مسند أحمد: 2/205؛ سنن أبي داود: 3/535؛ ابن ماجة: 2/737؛ النسائي: 7/288 وما بعدها)، وقد اختلف العلماء اختلافاً واسعاً في تفسير هذا الحديث، وبيان ذلك كما يلي:
ذكر ابن عبدالبر تفسيراً للمالكية وهو أنهم يحملون النهي عن (بيع ما ليس عندك) على الطعام وحده إلا ما كان من بيع العينة (ابن عبدالبر، 1966: 13/333)؛ لما رواه ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اشترى طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه" (صحيح ابن حبان: 11/354؛الطحاوي: 4/38).
وفسره الشافعي بأنه بيع العين التي لا يملكها وبيع العين بلا ضمان (الشافعي، 1972: 7/20)، وذكرت مثل هذا التفسير بعض كتب شروح الأحاديث (أبو الطيب، 1994:9/291؛ المباركفوري، د. ت.: 4/360؛ العسقلاني، 1958: 4/349؛ ابن القيم، 1995: 9/299)، فهو بيع ما هو في ملك الغير ثم يسعى البائع لتحصيله بالشراء من مالكه ودفعه للمشتري.
وفسر ابن القيم بيع الإنسان ما ليس عنده بأنه بيع ما ليس هو على ثقة من حصوله أو عدم حصوله، فيكون غرراً كبيع الآبق والشارد، والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه (ابن القيم، 1995: 9/299).
…ومن ينظر إلى ما سبق من تفسيرات يجد أنها تفيد النهي إما عن بيع المعدوم، أو العين الغائبة، أو بيع الأعيان التي لا يملكها، فهي كلها شاملة للغرر وعدم القدرة على التسليم.
والمبيع في عقود التوريد إما أن يكون موجوداً عند المورد أو غير موجود عنده حال العقد ولكن يغلب على الظن وجوده وقت استحقاقه، كما أن المورد قد يكون منتجاً للمبيع، أو متاجراً به وقادراً على تسليمه؛ لذلك فإن الدكتور المصري يرى أن عقود التوريد لا تدخل في النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، لقدرته على التسليم في الموعد المحدد (المصري، 1996: 222)، ويوافقه الشيخ عبدالوهاب أبو سليمان؛ لأن المورد لا يبرم عقد التوريد إلا وهو واثق بحصوله على المبيع وفق الالتزامات الواردة في العقد (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/315)، كما أن الضرير يرى ذلك أيضاً (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/331،330).
الترجيح:
…يرجح الباحثان ما ذهب إليه الدكتور المصري وغيره من أن عقود التوريد ليست من باب بيع الإنسان ما ليس عنده؛ وذلك لقوة حجتهم، ولانتفاء معنى الحديث المحتمل في هذه العقود.
…وخلاصة لما سبق يمكن القول بأن عقود توريد هي مشروعة لا تدخل في بيع الدين بالدين، ولا في بيع ما ليس عنده، بل يمكن إلحاقها بالصور الفقهية سابقة الذكر والتي بحثها الفقهاء المتقدمون.
المبحث الثالث
عقود المقاولات وأنواعها
…لا تقتصر العقود التي يجري التعامل بها اليوم على أن يكون موضوعها (محل العقد) سلعاً تؤول بها إلى عقود توريد والتي تم الحديث عنها سابقاً، بل يمكن أن يكون محل العقد عملاً فقط يتعهد به أحد المتعاقدين، فتؤول الالتزامات إلى ما يعرف بعقد مقاولة في العرف، وإجارة في الشرع، ويمكن أن يكون عملاً ومواد يتعهد أحد المتعاقدين بتقديمها، فتؤول الالتزامات إلى عقد مقاولة في العرف، واستصناعاً في الشرع (التارزي، 1992: 580؛ المصري، 1996: 202، 217)
النتائج:
يمكن تلخيص أهم النتائج التي توصل إليها الباحث خلال هذه الدراسة، وذلك كما يلي:
إن عقود التوريد تتعدد أقسامها بحسب اعتبارات مختلفة، فهناك عقود توريد موحدة وحرة، وعقود توريد إدارية وخاصة، وعقود توريد عادية وصناعية.
الغرر في عقود التوريد يسير، ولا يؤثر في صحة العقد، وعلى فرض وجوده فإنه يُغتفر؛ لأن الحاجة باتت ماسة وعامة فتُنزل منزلة الضرورة.
عقود التوريد مشروعة، ولا تدخل في بيع الدين بالدين، ولا بيع ما ليس عندك، ويمكن إلحاقها بالصور الفقهية التي بحثها الفقهاء، كبيع الموصوف في الذمة غير المعين، وكبيع الصفة عند المالكية التي يتأجل فيها البدلان، وكالشراء المستمر أو من دائم العمل.
عقد التوريد والمقاولة في ضوء التحديات الاقتصادية المعاصرة
(رؤية شرعية)
بحث مقدم إلى مؤتمر
"الإسلام والتحديات المعاصرة"
المنعقد بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية
في الفترة: 2-3/4/2007م
إعداد:
د. أحمد ذياب شويدح
أستاذ مشارك في الفقه المقارن – كلية الشريعة والقانون – الجامعة الإسلامية – وعميد كلية الشريعة والقانون ... أ. عاطف أبو هربيد
ماجستير في الفقه المقارن – كلية الشريعة والقانون – الجامعة الإسلامية – ورئيس قسم الشريعة الإسلامية
أبريل/ 2007
ملخص
هدفت هذه الدراسة الوقوف على حقيقة عقود التوريد والمقاولات وتكييفها الشرعي ومدى مشروعيتها، خاصة وأنها قد برزت أهميتها في المعاملات الاقتصادية في ظل الواقع والتحديات الاقتصادية والصناعية التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وقدوة المربين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، وبعد:
إن المجتمع العربي والإسلامي في جملته مجتمعاً استهلاكياً وليس صناعياً؛ مما يدفعها إلى استيراد ما توصل إليه العالم الصناعي من تقنيات صناعية عالية، أو استصناعها، كالآلات والمعدات الحديثة؛ لأهميتها الاقتصادية والعلمية، ودورها الخطير في تقديم خدمات الصحة والتعليم والدفاع وغير ذلك مما تتوقف عليه الحفاظ على مصالح الأمة، كما أن عقود التوريد والمقاولات قد تكون عقوداً عامة، وقد تكون عقوداً خاصة يعقدها الأفراد أو الشركات.
أهمية البحث:
تكمن أهمية البحث في النقاط التالية:
إن الشريعة لها مقاصد وغايات تعمل على رعايتها، وعقود التوريد والمقاولات لها علاقة مهمة وكبيرة بهذه المقاصد وهذه الغايات، مما يستدعي بيان الأحكام المترتبة عليها.
التحديات المعاصرة التي تتمثل في التقدم العلمي والصناعي عند الغرب مع ما يقابله من تأخر في هذا المجال عند العالم العربي والإسلامي؛ مما يستلزم إجابات شرعية على تلك العقود التي تهدف إلى استيراد ما عجزت الأمة عن صنعه أو إنتاجه وهي بأمس الحاجة إليه..
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى تحقيق ما يلي:
تقديم ورقة عمل للمشاركة في مؤتمر الإسلام والتحديات المعاصرة، للمساهمة في بيان دور الإسلام في معالجة المشكلات الناجمة عن تأخر الأمة صناعياً وعلمياً، وحاجتها إلى استيراد ما عجزت عن صنعه.
الوقوف على حقيقة عقد التوريد وعقد المقاولة.
بيان التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقدي التوريد والمقاولة.
منهج البحث وخطته:
يقوم البحث على المنهج التحليلي الاستنباطي من خلال النصوص الشرعية من القرآن والسنة وأقوال العلماء، وقد تم إعداد خطة البحث بعد المقدمة السابقة كما يلي:
المبحث الأول: عقود التوريد وأنواعها.
…المبحث الثاني: التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد التوريد.
…المبحث الثالث: عقود المقاولات وأنواعها.
…المبحث الرابع: التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد المقاولة.
…الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات.
المبحث الأول
عقود التوريد وأنواعها
…إن عقود البيع يختلف مآلها باختلاف طبيعة محل العقد، فقد يكون سلعة موجودة أو غير موجودة، وحينئذٍ يؤول العقد إما إلى بيع أو إلى ما يشبه السلم، وهي بذلك تؤول إلى ما يُعرف بعقود التوريد، وقد يكون محل العقد عملاً أو منفعة، وفي هذه الحالة يؤول العقد إما إلى إجارة أو إلى استصناع، وهي بذلك تؤول إلى ما يُعرف بعقود المقاولة.
فالعقود التي يكون محل العقد فيها سلعة وهذه السلعة موجودة عند البائع، أو غير موجودة عنده ولكنه قادر على إحضارها عند موعد الاستحقاق تُسمى عقود توريد، وقبل الشروع في بيان أهم أحكام هذا النوع من العقود من الأهمية بمكان التعريف بعقود التوريد وذلك كما يلي:
المطلب الأول: تعريف عقود التوريد:
أولاً: تعريف التوريد لغة:
…التوريد مأخوذ من الفعل وَرَدَ يرِد وروداً، ووَرَدَ له عدة معان منها وَرَدَ بمعنى حضر، وأورده واستورده أحضره (الرازي، 1995: 298؛ ابن منظور، د. ت.: 3/457؛ الفيومي، 1997: 337)، وهذا المعنى هو المراد هنا.
ثانياً: تعريف عقد التوريد اصطلاحاً:
…يعتبر عقد التوريد من العقود المعاصرة التي لم يبحثها الفقهاء المتقدمون، وكانت أكثر تطبيقاته في العقود الإدارية؛ ولذلك كانت أكثر تعريفات الباحثين لعقد التوريد تتناوله على أنه من العقود الإدارية، فقد نقل الطماوي تعريف محكمة القضاء الإداري في مصر لعقد التوريد بأنه:" اتفاق بين شخص معنوي من أشخاص القانون العام وبين فرد أو شركة، يتعهد بمقتضاه الفرد أو الشركة بتوريد منقولات معينة للشخص المعنوي لازمة لمرفق عام مقابل ثمن معين"(الطماوي، 1991: 121؛ المطلق، 1993: 24).
…ويشير المطلق (المطلق، 1993: 24) إلى أن هذا التعريف قد قصر عقد التوريد على ما كان أحد طرفيه شخصاً معنوياً من أشخاص القانون العام، مع أن عقد التوريد قد يكون عقداً خاصاً بين الأفراد، أو بين الأفراد والشركات الخاصة، أو بين الشركات الخاصة فيما بينها، كما أن الفقه الإسلامي لا يفرق بين العقود الإدارية والعقود الخاصة.
…ويعرّف المصري (المصري، 1996: 205) عقد التوريد بأنه:" عقد بين جهة إدارية عامة (أو جهة خاصة) ومنشأة خاصة (أو عامة)، على توريد أصناف محددة الأوصاف، في تواريخ معينة لقاء ثمن معين، يُدفع على نجوم".
ويلاحظ المطلق (المطلق، 1993: 25) أن عقد التوريد كما يكون منجماً على دفعات، يمكن أن يكون منجزاً على دفعة واحدة، ومثال ذلك: كما لو تعاقدت دائرة حكومية أو مؤسسة خاصة مع شركة استيراد أجهزة حاسوب على توريد مائة جهاز حاسوب بأوصاف معينة دفعة واحدة.
وبناءً على ما سبق فإن المطلق (المطلق، 1993: 25) عرّف عقد التوريد بأنه:" عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين تسليم الطرف الآخر أشياء منقولة بثمن معين".
الترجيح:
يرجح الباحثان لتعريف عقد التوريد ما اختاره المطلق؛ لسلامة تعريفه من الاعتراضات سابقة الذكر، وعليه فإن عقود التوريد هي: العقود التي يتعهد بمقتضاها أحد المتعاقدين تسليم الطرف الآخر أشياء منقولة بثمن معين.
المطلب الثاني: أقسام عقود التوريد:
…الملاحظ أن عقود التوريد تتعدد أقسامها بحسب اعتبارات مختلفة هي على النحو التالي:
الفرع الأول: باعتبار مدى حرية المتعاقدين في قبول العقد أو رفضه:
…وبهذا الاعتبار تنقسم عقود التوريد إلى قسمين هما:
1- عقود التوريد الموحدة:
…وهي العقود التي تُعقد لأجل توريد خدمات الماء والكهرباء والغاز والهاتف، ويُلاحظ في هذه العقود أن أحد طرفي العقد وهي الجهة المقدمة للخدمات تقف موقف القوي المستغني، بينما يقف الطرف الآخر موقف المذعن المحتاج الذي تُملى عليه الشروط (المطلق، 1993: 31).
…ويرى المطلق (المطلق، 1993: 31) أن هذه العقود شبيهة بعقود الشراء المستمر كأن يشتري الإنسان لبن الشاة شهراً، كما أنه لا يعلم أحداً من العلماء يشترط تسليم الثمن مقدماً فيها، ولا يجعل ذلك من باب السلم.
2- عقود التوريد الحرة:
…وهي تلك العقود التي يتمتع فيها كل من طرفي العقد بحريته التامة في إنشاء العقد وتحديد شروطه، وغالبية عقود التوريد تندرج تحت هذا النوع.(المطلق، 1993: 32).
الفرع الثاني: باعتبار طبيعة العقد:
…وتنقسم عقود التوريد بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1- عقود التوريد الإدارية:
…وهي تلك العقود التي يكون أحد طرفيها جهة إدارية حكومية، وموضوع هذه العقود يتعلق بمصلحة المرافق الحكومية العامة، كتوريد الملابس للعسكريين والمرضى والرياضيين من موظفي الحكومة، وتوريد الأطعمة لمؤسسات الجيش والمستشفيات الحكومية، وتوريد المفروشات كالمكاتب والمقاعد، والأدوات المكتبية كأجهزة الحاسوب وغيرها للدوائر الحكومية. (المطلق، 1993: 32).
2- عقود التوريد الخاصة:
…وهي العقود التي لا تكون أية جهة إدارية حكومية طرفاً فيها، وإنما الطرفان فيها من الأفراد أو الشركات الخاصة (المطلق، 1993: 32)، كتوريد أثاث مدرسي من قبل شركة خاصة لمدرسة خاصة غير حكومية، وتوريد أدوية لمستشفى خاص غير حكومي والمورد شركة خاصة، وغيرها.
الفرع الثالث: باعتبار موضوع العقد:
…وتنقسم عقود التوريد بهذا الاعتبار إلى قسمين هما:
1- عقود التوريد العادية:
…وهي العقود التي موضوعها عبارة عن منقولات تم الاتفاق على مواصفاتها، ويكون المورد حراً في اختيار المصدر الذي يحصل من خلاله على هذه المنقولات (المطلق، 1993: 33)، وقد تكون هذه العقود خاصة أو إدارية.
2- عقود التوريد الصناعية:
…وهي العقود التي يكون موضوعها عبارة عن تسليم منقولات يصنعها المورد (المطلق، 1993: 33)، ومنها ما يكون خاصاً، ومنها ما يكون إدارياً تملك الإدارة حرية كبيرة في التدخل أثناء تصنيع وإعداد هذه المنقولات (الطماوي،1991: 125)، وعقود التوريد الصناعية يتردد تصنيفها بين عقود توريد أو مقاولات استصناع، ومن أمثلتها: الاتفاق مع مصنع أثاث لتصنيع أنواع من الأثاث بمواصفات معينة يقوم بتوريدها لجهة إدارية أو خاصة.
المبحث الثاني
التكييف الشرعي والحكم الفقهي لعقد التوريد
عقود التوريد من العقود المعاصرة كما أُشير إلى ذلك سابقاً، ومن ثَم فحكمها هو الحكم الراجح في المسألة الخلافية القائمة على: (هل الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، أو الأصل فيها الحظر والبطلان إلا ما نص الشارع على صحته)، وليس هنا موضع بحثها، حيث رجّح الباحثان أن الأصل في العقود الصحة والجواز إلا ما نص الشارع على بطلانه، وعليه فإن عقود التوريد تُعتبر عقوداً مشروعة.
…ويشير المصري (المصري، 1996: 205،217) إلى أن عقود التوريد تشبه عقد البيع، وتشبه بيع السلم من جهة اشتراط تحديد أوصاف المعقود عليه، والقدرة على تسليمه، وتحديد مواعيد التسليم، إلا أن المطلق (المطلق، 1993: 31 وما بعدها) يشبهها بصور فقهية بحثها الفقهاء المتقدمون كبيع موصوف في الذمة غير معين على غير وجه السلم، وكالشراء المستمر، والجمع بين البيع والإجارة، وبيع ما يتكرر قطفه، ولا يعلم أحداً من العلماء يرى أن عقود التوريد من بيع السلم.
…ونظراً لكون البدلان - المبيع والثمن - يتأجلان في عقود التوريد إلى آجال محدودة ومعلومة شبهها المصري بعقد الاستصناع (المصري، 1996: 205،217)، وتحديداً بمفهومه عند صاحبي أبي حنيفة إذ أجازوا فيه عدم تعجيل الثمن خلافاً للسلم، كما أنهما اعتبراه عقداً جائزاً غير لازم مع عدم ذكر الأجل، ولازماً بتحديده (السرخسي، 1985: 12/139 وما بعدها).
…وبناءً على أن عقود التوريد قد يتأجل فيها البدلان طُرِحت عدة شبهات كالغرر، وبيع الدين بالدين - بيع الكالئ بالكالئ - وبيع ما ليس عند الإنسان، وهذا يحتاج إلى بيان وفق المطالب التالية:
المطلب الأول: مسألة الغرر:
…يُعد تصور الغرر في عقود التوريد من أهم النتائج المترتبة على تأجيل البدلين فيها، خاصة وأن عقد البيع الذي يُعجل بدلاه أبعد عن الغرر؛ ولذلك قال الشيرازي (الشيرازي، د. ت.: 1/297) بشأن السلم:" ويجوز حالاً؛ لأنه إذا جاز مؤجلاً فلأن يجوز حالاً وهو من الغرر أبعد أولى"، بينما البيع الذي يُعجل فيه بدل ويُؤجل الآخر لا يخلو من غرر، وعليه فليس غريباً أن يُعتبر عقد السلم عقد غرر، وليس غريباً أن يُتصور ازدياد الغرر في العقد نتيجة لتأجيل البدلين فيه، فقد قال صاحب الإقناع:" لأن في السلم غرراً فلا يضم إليه غرر تأخير رأس المال" (الشربيني، 1994: 2/296).
استناداً إلى ما سبق فإن المصري (المصري، 1996: 221 وما بعدها) يبرر تصور زيادة الغرر في تأجيل البدلين بأنه جاء نتيجة لنظرة العلماء إلى البدلين، فرأوا زيادة في الغرر، ويشير لو أنهم نظروا إلى المتعاقدين لما تصوروا وجود زيادة في الغرر، ولكان المتعاقدان متساويين في تحمل المخاطرة؛ لأن الغرر لا يُنظر إليه من حيث ذاته، وإنما يُنظر إليه من حيث أثره على المتعاقد، وبالتالي فلا فرق في الغرر الناتج عن تأجيل أحد البدلين وبين الغرر الناتج عن تأجيل كليهما.
…ويرى الضرير أن تبرير المصري غير مقنع، وأن الغرر موجود وقد يدخل في الغرر غير المؤثر إذا دعت الحاجة إلى مثل هذه العقود (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/329 وما بعدها)؛ لأن الحاجة تُنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة (السيوطي، 1959: 88).
وبالرغم مما سبق ذكره فإن الضرير لم يجزم بجواز عقد التوريد وتوقف فيه (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/333 وما بعدها)، في حين أن الزرقا (الزرقا، 1968: 2/710 وما بعدها) أجاز عقود التوريد؛ بسبب الحاجة الملحة إلى حرية في أساليب التعاقد نتيجة لتطور الحياة الاقتصادية العامة
…ويعتبر الجواهري أن تأجيل البدلين في عقود التوريد لا غرر فيه؛ لأن المبيع مقسط على آجال معلومة، والثمن أيضاً محدد ومقسط على آجال معلومة، والغرر المنهي عنه هو ما تردد المعقود عليه بين الوجود والعدم (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/309؛ الجواهري، 1996: 262).
…ويرى الباحثان أن دعوى عدم الغرر في عقود التوريد والتي قد تؤول إليها بعض العقود لا تثبت؛ إذ لا يكاد عقد يخلو من يسير الغرر (العبدري، 1977: 4/365؛ الزرقاني، 1990: 3/397) وعليه فإن نفي الجواهري للغرر يمكن أن يحمل على نفي الغرر المنهي عنه، وهو ما كان كثيراً، حيث إن ما يُراد توريده محدد بأوصاف معينة وبكميات محددة ومعلومة، وهو إما أن يكون موجوداً ومتوفراً حال العقد، وإما أن يتوفر أو يوجد وقت استحقاقه، ومن ثَم فغرره قليل لا يؤثر في صحة العقد، وكذلك الأمر بالنسبة للثمن فإنه يكون معلوماً قدراً وصفة وأجلاً، وعلى فرض وجود غرر في عقود التوريد ولو كان كثيراً فإن الحاجة باتت ماسة وعامة فتُنزل منزلة الضرورة، مما يجعل هذا الغرر مغتفراً وغير مانع من صحة هذه العقود.
المطلب الثاني: مسألة بيع الدين بالدين:
…تُعد شبهة اعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الدين بالدين نتيجة أخرى مترتبة على تأجيل البدلين، خاصة وأنه بعد إبرام عقد التوريد لا يتم تعجيل البدلين أو أحدهما، بل يُؤجل كل من المبيع والثمن.
واعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الدين بالدين يحتاج إلى تحقيق وبيان، إذ إن هذا الاعتبار يستند إلى حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - حيث قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الكالئ بالكالئ"(مصنف عبدالرزاق، 1982: 8/90؛ سنن الدارقطني، 1966: 3/72،71؛ مستدرك الحاكم، 1990: 2/66،65؛ السنن الكبرى للبيهقي، 1994: 5/290؛ العلل المتناهية لابن الجوزي، 1982: 2/601)؛ مما جعل بعض العلماء كالجصاص يرى أن كل معاملة وُجدت بين اثنين وكانت نسيئة من الطرفين غير مشروعة؛ لأنه يعتبر بيع الدين بالدين من أبواب الربا (الجصاص، 1984: 2/186)، ونقل ابن المنذر الإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين (ابن المنذر،1981: 92)، وذكر ذلك أيضاً ابن رشد حيث قال: "فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لأنه الدين بالدين المنهي عنه" (ابن رشد، د. ت.: 2/94)، كما ويرى ابن تيمية وابن القيم أن بيع الدين بالدين لا يعود بالنفع على المتعاقدين؛ لانشغال ذمة كل منهما من غير فائدة (ابن تيمية، د. ت.: 29/472؛ ابن القيم، 1973: 2/9).
ويرى الثبيتي أن العقود التي يتم فيها بيع العين الموصوفة الموجودة سواء في بلد المتعاقدين أو في غير بلدهما لا يشترط فيها تسليم الثمن، أما العقود التي يكون المبيع فيها موصوفاً في الذمة أو مسلماً فيه فإنه يشترط فيها تسليم الثمن في مجلس العقد؛ لئلا يتعلق البدلان في الذمة، إذ يدخل ذلك في بيع الدين بالدين المنهي عنه في الحديث المشهور، حيث تلقته الأمة بالقبول وإن كان في سنده أو متنه بعض الاعتراضات (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/320 وما بعدها).
ولا يسلم كل من المصري والمطلق بأن عقود التوريد تدخل في بيع الدين بالدين (المصري، 1996: 219 وما بعدها؛ المطلق، 1993: 34 وما بعدها)؛ لأنه يمكن الرد على ما سبق بما يلي:
حديث الكالئ بالكالئ حديث ضعيف، فقد ذكر ابن حجر أن الحاكم صححه على شرط مسلم، ووهم؛ لأن راويه موسى بن عبيدة الربذي لا موسى بن عقبة، وأن ابن حنبل لا تحل عنده الرواية عنه، ولا يعرف هذا الحديث عن غيره، وأنه ليس في هذا حديث يصح، ونقل عن الشافعي أن أهل الحديث يوهنون هذا الحديث، وأن الدارقطني جزم في العلل بأن موسى بن عبيدة تفرد به (العسقلاني، 1964: 3/26).
إن دعوى اعتبار تأجيل البدلين في عقود التوريد يدرجها في الربا؛ لأن بيع الدين بالدين من أبواب الربا هي دعوى غير مسلمة، إذ إن البدلين في عقود التوريد مختلفان، وفيها مبادلة سلعة بنقد، فلا تدخل في الربا المحرم (المصري، 1996: 220).
إن دعوى الإجماع على تحريم بيع الدين بالدين لم تثبت، فإن ابن القيم قال: "إن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ" (ابن القيم، 1973: 2/8).
وفسر الإمام مالك الكالئ بالكالئ "أن يبيع الرجل دينا له على رجل بدين على رجل آخر" (مالك، 2/660)، واختلاف تفسير الكالئ بالكالئ دليل على عدم الإجماع على معنى واحد (المصري، 1996: 220).
وأما القول بأن في تأجيل البدلين انشغال ذمة كل من المتعاقدين من غير فائدة فليس مسلماً؛ إذ لو كان كذلك لما تعاقد بذلك أحد، وقد يكون للمتعاقدين غرض سليم في تأجيل البدلين (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/333).
الترجيح:
بناءً على ما سبق فإن الباحثين يرجحان ما خلص إليه الدكتور المصري من أن حديث بيع الكالئ بالكالئ لا يقف مانعاً من جواز عقود التوريد والمقاولة، بالإضافة إلى عموم الحاجة إليها، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (المصري، 1996: 220 وما بعدها).
ويُشار هنا أن الدكتور عبدالله المطلق يرى أن عقود التوريد يمكن إلحاقها بصور فقهية قديمة تشبهها قد بحثها المتقدمون من الفقهاء (المطلق، 1993: 33 وما بعدها)، ومن هذه الصور:
1- بيع موصوف في الذمة غير معين لا على وجه السلم:
…السلم جائز بالإجماع (ابن المنذر، 1981: 93؛ ابن رشد، د. ت.:2/151)؛ حيث أجازه الشارع بما رواه ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (صحيح البخاري: 2/781؛ صحيح مسلم: 3/1226)، والسلم يتم فيه بيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم، مع اشتراط تعجيل الثمن في مجلس العقد، أما بيع موصوف في الذمة غير معين ليس على وجه السلم فقد اختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال هي كالتالي:
القول الأول:
…يصح البيع على الصفة، قال به الحنفية، والمالكية، والشافعية في قول، والحنابلة في الأظهر، وقال به أيضاً الظاهرية (الكاساني، 1982: 5/163؛ ابن بكر، د. ت.: 5/298؛ الدردير، د. ت.:3/27؛ ابن رشد، د. ت.: 2/117؛ الشيرازي، د. ت.: 1/263؛ النووي، 1996: 9/274؛ ابن مفلح، 1979: 4/27؛ المرداوي، د. ت.: 4/299؛ ابن حزم، د. ت.: 8/389).
القول الثاني:
لا يصح البيع على الصفة، وبه قال الشافعية في الأظهر، والحنابلة في وجه (الشيرازي، د. ت.: 1/263؛ النووي، 1996: 9/274؛ ابن مفلح، 1979: 4/27؛ المرداوي، د. ت.: 4/299).
القول الثالث:
يصح البيع على الصفة إن كان قد ملكه البائع، وإلا فلا، وبه قال الحنابلة في وجه ثالث (ابن مفلح، 1979: 4/27؛ المرداوي، د. ت.: 4/299).
سبب الخلاف:
……يعود سبب الخلاف إلى اختلافهم في الغرر الناشئ عن نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالحس هل هو من الغرر الكثير أم أنه من الغرر اليسير المعفو عنه فمن رآه من الغرر الكثير منعه، ومن رآه من الغرر اليسير أجازه، ومن أثبت للمشتري خيار الرؤية رأى أنه لا غرر هناك حتى وإن لم تكن له رؤية (ابن رشد، د. ت.: 2/117).
…ويرجح الباحثان أن الغرر في عقود التوريد غير مؤثر في صحة العقد.
…ثم اختلف القائلون بصحة بيع موصوف في الذمة غير معين لا على وجه السلم في اشتراط قبض الثمن في مجلس العقد على قولين هما:
القول الأول:
…يشترط قبض الثمن في مجلس العقد؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين، وبه قال الحنفية، والحنابلة في الصحيح في مذهبهم، وقال به أيضاً الظاهرية (السرخسي، 1985: 12/127؛ ابن مفلح، 1979: 4/27؛ ابن حزم، د. ت.: 8/337).
القول الثاني:
…لا يُشترط قبض الثمن؛ لأنه بيع حال، وبه قال المالكية إذ قيدوا هذا الشرط فيما لا يُؤمن تغيره، وأجازوا دفع الثمن تطوعاً، وعدم اشتراطه مطلقاً قال به أيضاً القاضي من الحنابلة (الدردير، د. ت.: 3/27؛ ابن مفلح، 1979: 4/27).
الترجيح:
…يرى الباحثان أن حديث بيع الدين بالدين - الكالئ بالكالئ - لا يقف مانعاً من جواز عقود التوريد والمقاولة، بالإضافة إلى عموم الحاجة إليها، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة؛ كما ويُقال في هذا الخلاف ما قيل في مسألة بيع الدين بالدين السابق ذكرها.
…وبناءً على ما سبق فإن بيع الموصوف في الذمة غير المعين لا على وجه السلم يُعتبر صورة من صور عقود التوريد التي يجري التعامل بها اليوم؛ ولذلك يرى الشيخ عبدالوهاب أبو سليمان أن عقد التوريد لا إشكال فيه، بل له مخرج واسع عند المالكية، فهو من قبيل بيع الصفة التي يتأجل فيها البدلان (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/314).
2- الشراء من دائم العمل أو الشراء المستمر:
يعتبر الشراء من دائم العمل كالخباز واللحام بيعاً، ويسمى بيعة أهل المدينة، فقد كان أحدهم يبتاع اللحم بسعر معلوم، يأخذ كل يوم شيئاً معلوماً، ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء وكذلك كل ما يباع في الأسواق، ولا يكون إلا بأمر معلوم يسمي ما يأخذ كل يوم، ولم يكن يُعتبر ذلك من باب بيع الدين الدين (الحطاب، 1977: 4/583).
…ويجوز الشراء من دائم العمل بثمن معجل أو مؤجل، ويخالف بذلك السلم؛ لعدم اشتراط تعجيل الثمن وتأجيل المثمن، فهو بيع لأن البيع لا يشترط فيه واحد من الأمرين (الدسوقي، د. ت.: 3/216).
والشراء من دائم العمل له صورتان:
أن يتعاقد معه على أنه يأخذ كل يوم بعشرة دراهم خبزاً مثلاً، ويثبت لكل منهما الفسخ.
أن يأخذ جملة منه يفرقها على أيام وليس لأحدهما الفسخ في هذه الصورة (العدوي، 1991: 2/236؛ الدسوقي، د. ت.: 3/216؛ الدردير، د. ت.: 3/216).
…أما الشراء المستمر كشراء لبن الغنم شهراً، فقد رُوي عن الحسن البصري قوله بجوازه (النووي، 1996: 9/309)، وسُئل الإمام مالك: "أرأيت إن اشتريت لبن عشر شياه بأعيانها في أبان لبنها، أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: نعم ذلك جائز إذا سمى شهراً أو شهرين أو ثلاثة، وكان قد عرف وجه حلابها فلا بأس به" (مالك، د. ت.: 10/296؛ النووي، 1996: 9/309).
…ويُعتبر الشراء المستمر أو من دائم العمل أحد صور عقود التوريد المعاصرة.
ثالثاً: مسألة بيع ما ليس عنده:
…يلتزم المورد في عقود التوريد بتوريد سلع في آجال معلومة على أن تكون أوصافها مطابقة لأوصاف وشروط العقد، وهذه السلع قد تكون موجودة عنده أو غير موجودة، فهل يمكن اعتبار عقود التوريد من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده إذا كانت السلع غير موجودة ولا يملكها؟
…وإجابة هذا السؤال تحتاج إلى فهم معنى (بيع الإنسان ما ليس عنده)، فإن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس عندك" (مسند أحمد: 2/205؛ سنن أبي داود: 3/535؛ ابن ماجة: 2/737؛ النسائي: 7/288 وما بعدها)، وقد اختلف العلماء اختلافاً واسعاً في تفسير هذا الحديث، وبيان ذلك كما يلي:
ذكر ابن عبدالبر تفسيراً للمالكية وهو أنهم يحملون النهي عن (بيع ما ليس عندك) على الطعام وحده إلا ما كان من بيع العينة (ابن عبدالبر، 1966: 13/333)؛ لما رواه ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اشترى طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه" (صحيح ابن حبان: 11/354؛الطحاوي: 4/38).
وفسره الشافعي بأنه بيع العين التي لا يملكها وبيع العين بلا ضمان (الشافعي، 1972: 7/20)، وذكرت مثل هذا التفسير بعض كتب شروح الأحاديث (أبو الطيب، 1994:9/291؛ المباركفوري، د. ت.: 4/360؛ العسقلاني، 1958: 4/349؛ ابن القيم، 1995: 9/299)، فهو بيع ما هو في ملك الغير ثم يسعى البائع لتحصيله بالشراء من مالكه ودفعه للمشتري.
وفسر ابن القيم بيع الإنسان ما ليس عنده بأنه بيع ما ليس هو على ثقة من حصوله أو عدم حصوله، فيكون غرراً كبيع الآبق والشارد، والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه (ابن القيم، 1995: 9/299).
…ومن ينظر إلى ما سبق من تفسيرات يجد أنها تفيد النهي إما عن بيع المعدوم، أو العين الغائبة، أو بيع الأعيان التي لا يملكها، فهي كلها شاملة للغرر وعدم القدرة على التسليم.
والمبيع في عقود التوريد إما أن يكون موجوداً عند المورد أو غير موجود عنده حال العقد ولكن يغلب على الظن وجوده وقت استحقاقه، كما أن المورد قد يكون منتجاً للمبيع، أو متاجراً به وقادراً على تسليمه؛ لذلك فإن الدكتور المصري يرى أن عقود التوريد لا تدخل في النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، لقدرته على التسليم في الموعد المحدد (المصري، 1996: 222)، ويوافقه الشيخ عبدالوهاب أبو سليمان؛ لأن المورد لا يبرم عقد التوريد إلا وهو واثق بحصوله على المبيع وفق الالتزامات الواردة في العقد (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/315)، كما أن الضرير يرى ذلك أيضاً (منظمة المؤتمر الإسلامي، 1996: العدد التاسع 2/331،330).
الترجيح:
…يرجح الباحثان ما ذهب إليه الدكتور المصري وغيره من أن عقود التوريد ليست من باب بيع الإنسان ما ليس عنده؛ وذلك لقوة حجتهم، ولانتفاء معنى الحديث المحتمل في هذه العقود.
…وخلاصة لما سبق يمكن القول بأن عقود توريد هي مشروعة لا تدخل في بيع الدين بالدين، ولا في بيع ما ليس عنده، بل يمكن إلحاقها بالصور الفقهية سابقة الذكر والتي بحثها الفقهاء المتقدمون.
المبحث الثالث
عقود المقاولات وأنواعها
…لا تقتصر العقود التي يجري التعامل بها اليوم على أن يكون موضوعها (محل العقد) سلعاً تؤول بها إلى عقود توريد والتي تم الحديث عنها سابقاً، بل يمكن أن يكون محل العقد عملاً فقط يتعهد به أحد المتعاقدين، فتؤول الالتزامات إلى ما يعرف بعقد مقاولة في العرف، وإجارة في الشرع، ويمكن أن يكون عملاً ومواد يتعهد أحد المتعاقدين بتقديمها، فتؤول الالتزامات إلى عقد مقاولة في العرف، واستصناعاً في الشرع (التارزي، 1992: 580؛ المصري، 1996: 202، 217)
النتائج:
يمكن تلخيص أهم النتائج التي توصل إليها الباحث خلال هذه الدراسة، وذلك كما يلي:
إن عقود التوريد تتعدد أقسامها بحسب اعتبارات مختلفة، فهناك عقود توريد موحدة وحرة، وعقود توريد إدارية وخاصة، وعقود توريد عادية وصناعية.
الغرر في عقود التوريد يسير، ولا يؤثر في صحة العقد، وعلى فرض وجوده فإنه يُغتفر؛ لأن الحاجة باتت ماسة وعامة فتُنزل منزلة الضرورة.
عقود التوريد مشروعة، ولا تدخل في بيع الدين بالدين، ولا بيع ما ليس عندك، ويمكن إلحاقها بالصور الفقهية التي بحثها الفقهاء، كبيع الموصوف في الذمة غير المعين، وكبيع الصفة عند المالكية التي يتأجل فيها البدلان، وكالشراء المستمر أو من دائم العمل.