فهدالسبر
04-06-2009, 02:48 PM
أَمَّا بَعدُ:أَيُّهَا المُسلِمُونَ، حِينَ تَضِيقُ بِالخَائِفِينَ مِن غَيرِ اللهِ السُّبُلُ، وَتَرتَجِفُ أَفئِدَةُ الوَجِلِينَ ممَّا يُسَمَّى بِالقُوَى العَالميَّةِ، فَيَحسِبُونَ لأَسلِحَةِ العَدُوِّ وَإِعدَادَاتِهِ كُلَّ حِسَابٍ، حِينَ يَمتَلِكُ الرُّعبُ قُلُوبَ بَعضِ النَّاسِ حَتى يُخَيَّلَ إِلَيهِ أَنَّ لهؤُلاءِ الكَفَرَةِ في كُلِّ جِدَارٍ جِهَازًا لِلتَّجَسُّسِ، وَأَنَّ لهم في كُلِّ سَمَاءٍ قَمَرًا لِلمُرَاقَبَةِ، وَأَنَّهُم يَعلَمُونَ مِن أَحوَالِ المُسلِمِينَ ما لا يَعلَمُهُ المُسلِمُونَ مِن أَنفُسِهِم، وَيَطَّلِعُونَ مِن ثَغَرَاتِهِم على مَا لا يَطَّلِعُونَ عَلَيهِ، إِذْ ذَاكَ تَأتي الجُنُودُ الإِلهِيَّةُ اللَّطِيفَةُ في طَبِيعَتِهَا وَتَكوِينِهَا، العَاتِيَةُ في سَحقِهَا لِكُلِّ مَن خَرَجَ عَن أَمرِ رَبِّهِ،(وَمَا يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ)نَعَم أَيُّهَا المُسلِمُونَ، حِينَ يَكفُرُ أَكثَرُ مَن في الأَرضِ وَيَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيُضِلُّونَ، ثم يَتَمَادَونَ في غَيِّهِم فَيُؤذُونَ عِبَادَ اللهِ بِلا ذَنبٍ إِلاَّ أَن يَقُولُوا: رَبُّنَا اللهُ، حِينَ تَصِلُ الحَالُ بِبَعضِ المُؤمِنِينَ إِلى أَن يَقِفُوا مُستَبطِئِينَ النَّصرَ والفَرَجَ، يَكَادُ اليَأُسُ يَلتَهِمُ قُوَاهُم وَيُوهِي عَزَائِمَهُم، هُنَاكَ يَتَنَزَّلُ مِنَ اللهِ نَصرٌ لِلمُؤمِنِينَ، وَيَحِقُّ مِنهُ خُذلانٌ عَلَى الكَافِرِينَ، لِيَعلَمَ الفَرِيقَانِ أَيُّهُم عَلَى الحَقِّ ممَّن هُوَ في ضَلالٍ، وَلِيَتَبَيَّنَ لِمَن في الأَرضِ أَيُّهُما أَشَدُّ وَأَبقَى، أَهُوَ استِضعَافُ أَقوِيَاءِ البَشَرِ لِلمِغلُوبِينَ عَلَى أَمرِهِم أَمِ انتِقَامُ رَبِّ البَشَرِ مِنَ الظَّالمِينَ المُتَسَلِّطِينَ؟وَيُرسِلُ اللهُ مِن مَخلُوقَاتِهِ أَصغَرَهَا حَجمًا وَأَقَلَّهَا شَأنًا وَأَخفَاهَا عَنِ الأَنظَارِ، لِتَكُونَ غُصَّةً في حُلُوقٍ طَالَمَا شَرِقَت بِظُهُورِ الإِسلامِ، وَعمًى لأَعيُنٍ رَمِدَت بِانتِشَارِ الدِّينِ الحَقِّ،وَمَا يَكَادُ الغَربُ الكَافِرُ المُغتَرُّ بِقُوَّتِهِ المُتَسَلِّطُ بِجَبرُوتِهِ يَخرُجُ مِن أَزمَتِهِ المَالِيَّةِ السَّاحِقَةِ الَّتي أَغلَقَ بِسَبَبِهَا كَثِيرًا مِن مَصَارِفِهِ ومَصَانِعِهِ، وَسَرَّحَ لأَجلِهَا آلافًا مِن قُوَاهُ العَامِلَةِ المُدَرَّبَةِ، حَتى يُضرَبَ بهذِهِ الآفَةِ المُرَوِّعَةِ وَيُبتَلَى بهذَا الوَبَاءِ الخُطِيرِ، الَّذِي بَلَغَت تَوَقُّعَاتُهُم أَنْ سَيُهلِكُ مِنهُم خَلقًا كَثِيرًا، وَأَنَّهُ سَيَنتَشِرُ في آفَاقٍ بَعِيدَةٍ.وَيَقِفُ المُؤمِنُ حِيَالَ هَذِهِ الأَحدَاثِ مَوقِفَ الحَامِدِ لِرَبِّهِ عَلَى نِعمَةِ الإِيمَانِ والرِّضا بما قَدَّرَ وَقَضَى، الوَاثِقِ بِنَصرِهِ أَولِيَاءَهُ وَإِن خَذَلَهُم مَن خَذَلَهُم،(إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)(أَلَيسَ اللهُ بِكَافٍ عَبدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍ)وَإِنَّهُ وَإِنْ كُنَّا نَشُكُّ في حَجمِ هَذِهِ المُصِيبَةِ الَّتي حَلَّت بِالغَربِ الكَافِرِ بِسَبَبِ الخَنَازِيرِ، وَنَظُنُّ أَنَّهَا قد أُعطِيَت وَهَجًا إِعلامِيًّا لِغَايَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَأَهدَافٍ اقتِصَادِيَّةٍ يَرمُونَ إِلَيهَا، إِلاَّ أَنَّنَا نُؤمِنُ بِأَنَّ للهِ جُنُودًا يُسَلِّطُهَا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَقَد أَهلَكَ بها الأُمَمَ السَّابِقَةَ لَمَّا تَمَادَوا وَبَغَوا وَطَغَوا في البِلادِ فَأَكثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ فَهَذَا نُوحٌ عَصَاهُ قَومُهُ وَسَخَِرُوا مِنهُ،(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغلُوبٌ فَانتَصِرْ..لِمَن كَانَ كُفِرَ)وَأَهلَكَ تَعَالى ثمودَ بِالطَّاغِيَةِ، وَأَهلَكَ عَادًا بِرِيحٍ صَرصَرٍ عَاتِيَةٍ، وَأَهلَكَ بِالحَاصِبِ قَومَ لُوطٍ، وَبِالصَّيحَةِ قَومَ شُعَيبٍ. وَلَمَّا تَكَبَّرَ فِرعَونُ وَقَومُهُ أَرسَلَ اللهُ عَلَيهِم مِنَ الآيَاتِ مَا يُثبِتُ لهم ضَعفَهُم وَعَجزَهُم، قَالَ سُبحَانَهُ:(فَأَرسَلنَا عَلَيهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ..مُجرِمِينَ)فَلَم َّا تَمَادَوا وَطَرَدُوا مُوسَى وَقَومَهُ نَصَرَهُ اللهُ بِإِهلاكِ فِرعَونَ وَقَومِهُ بِالمَاءِ.وَبِالرِّيحِ نَصَرَ اللهُ القِلَّةَ المُؤمِنَةَ عَلَى الأَحزَابِ المُتَكَاثِرَةِ،وَوَاللهِ، إِنَّ الكُفَّارَ لأَقَلُّ وَأَذَلُّ وَأَحقَرُ مِمَّا يَتَرَدَّدُ في صُدُورُ بَعضِنَا مِن خَوفٍ مِنهُم وَهَلَعٍ ممَّا يَملِكُونَهُ مِن قُوَّةٍ(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَولى.. مَولى لَهُمْ)وَإِنَّهُ مَتى عَادَتِ الأُمَّةُ إِلى رَبِّهَا وَصَدَقَت مَعَ مَولاهَا فَلَن تُخذَلَ(وَلَو صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ)أَلا فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَكُونُوا عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ مَا يَجرِي في الكُونِ فَإِنَّمَا هُوَ لِحِكَمٍ يَعلَمُهَا الحَكِيمُ العَلِيمُ سُبحَانَهُ، وَأَنَّهُ مَا ظَهَرَ فَسَادٌ في البَرِّ وَالبَحرِ مِن وَبَاءٍ أَو مَرَضٍ أَو أَزمَةٍ مَالِيَّةٍ أَوِ اقتِصَادِيَّةٍ أَو مُشكِلَةٍ اجتِمَاعِيَّةٍ أَو كَارِثَةٍ دَولِيَّةٍ أَو ضِيقٍ في الأَرزَاقِ أَو قِلَّةٍ في البَرَكَاتِ إِلاَّ بِمَا كَسَبَت أَيدِي النَّاسِ(وَمَا أَصَابَكُم مِن.. كَثِيرٍ)فَتُوبُوا إِلى اللهِ وَاستَغفِرُوهُ، وَفِرُّوا مِنهُ إِلَيهِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ نَاصِرٌ عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ(إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُم.. المُؤمِنُونَ)
الخطبة الثانية:أَمَّا بَعدُ:أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ مِثلَ هَذِهِ الآفَاتِ السَّاحِقَةِ وَالأَوبِئَةِ المَاحِقَةِ وَإِن كَانَت في نَظرِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ شَرًّا مَحضًا وَخَطَرًا خَالِصًا، إِلاَّ أَنَّ لِعِبَادِ اللهِ فِيهَا نَظَرًا آخَرَ؛ لِمَا يَعلَمُونَ مِن أَنَّ لهم رَبًّا رَحِيمًا وَمَولًى كَرِيمًا، لا يُقَدِّرُ عَلَى العِبَادِ شَرًّا مَحضًا، بَل لَهُ في كُلِّ مِحنَةٍ مِنحَةٌ، وَقَد جَعَلَ مَعَ كُلِّ عُسرٍ يُسرَينِ.
وَإِنَّ مِن رَحمَتِهِ بِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ إِلى آخِرِ الزَّمَانِ أَن يَبعَثَ هَذِهِ الآفَاتِ عَلَى الكَفَرَةِ كُلَّمَا اشتَدَّ أَذَاهُم وَضَعُفَ المُؤمِنُونَ عَن مُقَاوَمَتِهِم؛ تَنفِيسًا عَنِ المُؤمِنِينَ وَإِرغَامًا لأُنُوفِ الكَافِرِينَ، في صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ النَّوَّاسِ بنِ سِمَعانَ في ذِكرِ خُرُوجِ الدَّجَالِ في آخِرِ الزَّمَانِ وَنُزُولِ عِيسَى وَقَتلِهِ إِيَّاهُ وَخُرُوجِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَلُجُوءِ نَبيِّ اللهِ عِيسَى وَمَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ إِلى الطُّورِ اتِّقَاءً لِشَرِّهِم، قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ:(ثُمَّ يَأتي عِيسَى ابنَ مَريَمَ قَومٌ قَد عَصَمَهُمُ اللهُ مِنهُ أَيْ: مِنَ الدَّجَّالِ ،فَيَمسَحُ عَن وُجُوهِهِم وَيُحَدِّثُهُم بِدَرَجَاتِهِم في الجَنَّةِ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوحَى اللهُ إِلى عِيسَى:إِنِّي قَد أَخرَجتُ عِبَادًا لي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِم، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلى الطُّورِ، وَيَبعَثُ اللهُ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَهُم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُم عَلَى بُحَيرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُم فَيَقُولُونَ: لَقَد كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأسُ الثَّورِ لأَحَدِهِم خَيرًا مِن مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُم اليَومَ، فَيَرغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إلى الله، فَيُرسِلُ اللهُ عَلَيهِم النَّغَفَ في رِقَابِهِم، فَيُصبِحُونَ فَرسَى كَمَوتِ نَفسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلى الأَرضِ، فَلا يَجِدُونَ في الأَرضِ مَوضِعَ شِبرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُم وَنَتنُهُم، فَيَرغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلى اللهِ، فَيُرسِلُ اللهُ طَيرًا كَأَعنَاقِ البُختِ، فَتَحمِلُهُم فَتَطرَحُهُم حَيثُ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ مِنهُ بَيتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، فَيَغسِلُ الأَرضَ حَتَّى يَترُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرضِ: أَنبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَومَئِذٍ تَأكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَستَظِلُّونَ بِقِحفِهَا، وَيُبَارَكُ في الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكفِي القَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكفِي الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأخُذُهُم تَحتَ آبَاطِهِم، فَتَقبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤمِنٍ وَكُلِّ مُسلِمٍ، وَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ)فَانظُرُوا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ يُرسِلُ اللهُ مِن جُندِهِ عَلَى الكَافِرِينَ مَا يَمنَعُ بهم أَذَاهُم، فَذَلِكَ النَّغَفُ وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الدُّودِ، وَتِلكَ الطُّيُورُ وَذَلِكَ المَطَرُ، وَتِلكَ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ، كُلُّهَا مِن جُنُودِ اللهِ نَصرًا لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ وَخُذلانًا لِلكَافِرِينَ.
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَكُونُوا مَعَهُ يَكُنْ مَعَكُم، حَافِظُوا عَلَى الصَّلاةِ الَّتي أُضِيعَت، وَأَدُّوا الحُقُوقَ الَّتي أُهمِلَت، وَمُرُوا بِالمَعرُوفِ وَانهَوا عَنِ المُنكَرِ، ثم أَبشِرُوا بِتَأيِيدِ اللهِ وَنَصرِهِ.(وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُم في الأَرضِ .. عَاقِبَةُ الأُمُورِ)
الخطبة الثانية:أَمَّا بَعدُ:أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ مِثلَ هَذِهِ الآفَاتِ السَّاحِقَةِ وَالأَوبِئَةِ المَاحِقَةِ وَإِن كَانَت في نَظرِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ شَرًّا مَحضًا وَخَطَرًا خَالِصًا، إِلاَّ أَنَّ لِعِبَادِ اللهِ فِيهَا نَظَرًا آخَرَ؛ لِمَا يَعلَمُونَ مِن أَنَّ لهم رَبًّا رَحِيمًا وَمَولًى كَرِيمًا، لا يُقَدِّرُ عَلَى العِبَادِ شَرًّا مَحضًا، بَل لَهُ في كُلِّ مِحنَةٍ مِنحَةٌ، وَقَد جَعَلَ مَعَ كُلِّ عُسرٍ يُسرَينِ.
وَإِنَّ مِن رَحمَتِهِ بِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ إِلى آخِرِ الزَّمَانِ أَن يَبعَثَ هَذِهِ الآفَاتِ عَلَى الكَفَرَةِ كُلَّمَا اشتَدَّ أَذَاهُم وَضَعُفَ المُؤمِنُونَ عَن مُقَاوَمَتِهِم؛ تَنفِيسًا عَنِ المُؤمِنِينَ وَإِرغَامًا لأُنُوفِ الكَافِرِينَ، في صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ النَّوَّاسِ بنِ سِمَعانَ في ذِكرِ خُرُوجِ الدَّجَالِ في آخِرِ الزَّمَانِ وَنُزُولِ عِيسَى وَقَتلِهِ إِيَّاهُ وَخُرُوجِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَلُجُوءِ نَبيِّ اللهِ عِيسَى وَمَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ إِلى الطُّورِ اتِّقَاءً لِشَرِّهِم، قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ:(ثُمَّ يَأتي عِيسَى ابنَ مَريَمَ قَومٌ قَد عَصَمَهُمُ اللهُ مِنهُ أَيْ: مِنَ الدَّجَّالِ ،فَيَمسَحُ عَن وُجُوهِهِم وَيُحَدِّثُهُم بِدَرَجَاتِهِم في الجَنَّةِ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوحَى اللهُ إِلى عِيسَى:إِنِّي قَد أَخرَجتُ عِبَادًا لي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِم، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلى الطُّورِ، وَيَبعَثُ اللهُ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَهُم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُم عَلَى بُحَيرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُم فَيَقُولُونَ: لَقَد كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأسُ الثَّورِ لأَحَدِهِم خَيرًا مِن مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُم اليَومَ، فَيَرغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إلى الله، فَيُرسِلُ اللهُ عَلَيهِم النَّغَفَ في رِقَابِهِم، فَيُصبِحُونَ فَرسَى كَمَوتِ نَفسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلى الأَرضِ، فَلا يَجِدُونَ في الأَرضِ مَوضِعَ شِبرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُم وَنَتنُهُم، فَيَرغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلى اللهِ، فَيُرسِلُ اللهُ طَيرًا كَأَعنَاقِ البُختِ، فَتَحمِلُهُم فَتَطرَحُهُم حَيثُ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ مِنهُ بَيتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، فَيَغسِلُ الأَرضَ حَتَّى يَترُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرضِ: أَنبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَومَئِذٍ تَأكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَستَظِلُّونَ بِقِحفِهَا، وَيُبَارَكُ في الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكفِي القَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكفِي الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأخُذُهُم تَحتَ آبَاطِهِم، فَتَقبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤمِنٍ وَكُلِّ مُسلِمٍ، وَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ)فَانظُرُوا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ يُرسِلُ اللهُ مِن جُندِهِ عَلَى الكَافِرِينَ مَا يَمنَعُ بهم أَذَاهُم، فَذَلِكَ النَّغَفُ وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الدُّودِ، وَتِلكَ الطُّيُورُ وَذَلِكَ المَطَرُ، وَتِلكَ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ، كُلُّهَا مِن جُنُودِ اللهِ نَصرًا لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ وَخُذلانًا لِلكَافِرِينَ.
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَكُونُوا مَعَهُ يَكُنْ مَعَكُم، حَافِظُوا عَلَى الصَّلاةِ الَّتي أُضِيعَت، وَأَدُّوا الحُقُوقَ الَّتي أُهمِلَت، وَمُرُوا بِالمَعرُوفِ وَانهَوا عَنِ المُنكَرِ، ثم أَبشِرُوا بِتَأيِيدِ اللهِ وَنَصرِهِ.(وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُم في الأَرضِ .. عَاقِبَةُ الأُمُورِ)