فهدالسبر
10-06-2009, 11:15 PM
أمّا بعد: فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى،واعلموا،أن القلوب منبَعُ المشاعر ومَصدر العواطِف ومحرِّك الأَخلاق ومُوجِّه التصرُّفات، وإذا صلَحَت صلحت كلّ الأعمالِ والأخلاق، كما في الصحيحَين أنَّ النبيَّ قال:(ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذ فسدَت فسَد الجسد كلّه، ألا وهي القلب)قال النبيَّ:(لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيم قلبه)رواه أحمد إنَّ تزكيةَ النفوس هي إِحدى الغايات التي بُعِث لأجلها الرسل(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ)وكَثيرًا مَا تجِد الآيات تصُبّ معانيها على القلبِ؛ ذلك أيّها الإخوة أنّ الشجاعةَ والكرَم والحبَّ والعطف والشفقَة والإحسان والبرَّ والتقوى والإيثارَ والأنس بالله واللّذة بمناجاته والإيمانَ واليقين وكلَّ أنواعِ الخير لا يمكن أن توجَدَ إلا في القلوب الطاهرةِ الزكيّة، ولا يمكن أن تسكُنَ قلبًا ملوّثًا بالغلّ والحسدِ والأنانية والأثرة وسوءِ الظن بالآخرين؛ لذا كان من دعاءِ إبراهيم الخليل عليه السلام:(وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)وكانَ مِن دعاءِ نبيِّنا محمّدٍ:(وأسألُك قلبًا سلِيما)ولذا كان الصالحون والأخيارُ أحرَصَ ما يكونون على تفقّد قلوبهم وإِصلاحها وتصفِيَتها، ولقد علّق الله تعالى فلاحَ العبد على زكاءِ نفسه فقال سبحانه بعد أن أقسم أحَد عشرَ قسمًا:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)أيّها المسلِمون، إنَّ القلوبَ السليمةَ والنفوسَ الزكيّة هي التي امتلأت بالتقوَى والإيمان، ففاضَت بالخير والإحسَان، وانطبع صاحِبها بكلِّ خلُق جميلٍ، وانطوَت سريرته على الصفاء والنقاءِ وحبِّ الخيرِ للآخرين، فهو من نفسِه في راحةٍ، والناس منه في سَلامة. أمّا صاحب القلبِ الخبيث والخلُق الذميم فالنّاس منه في بلاء، وهو من نفسه في عَناء. وإنَّ المسلم لا يحمل في قلبِه على إخوانه سوءًا ولا ضغينة، ولا تطيبُ السيرةُ إلا بصفاءِ السريرةِ، وأصحابُ الأخلاق الحميدةِ هم أقرب الناس مجلسًا من رسول الله ،وأخلاقهم الصادقة وصفاءُ قلوبهم توصِلهم إلى مراتب عليا من الجنّة، لم يكونوا ليبلغوها بِنَوافل العباداتِ الأخرى.سلامةُ الصدور مِن كمال الإيمانِ وحسنِ الإسلام، يحبّه الله ويَرضاه، يألَف ويُؤلف، يحِبّ ويحَبّ، مع السعادةِ والانشراح الذي يجده في قلبه، ولا يصلح لسُكنى الجنة من تلوّث قلبُه بالأدران حتى يصفَى القلب؛ لذا قال الله عزّ وجلّ في أهل الجنة:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)وقال النبي:(يدخُلُ الجنةَ أقوام أفئِدتُهم مثلُ أفئدةِ الطير)رواه مسلم وقد امتدَحَ الله تعالى الأنصارَ بأنهم لا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتي غيرهم، لا حسَدًا ولا غيرة ولا غلاًّ.إنَّ العناية بسلامة الصدور وصفاءِ القلوب من أهمّ المهمّات، فكيف ينجَح الداعي إلى الله إن لم يحمِل صفاءَ القلب ونقاءَ المشاعر؟ وكيف يلتَذّ بمناجاةِ الله من لم يَصفُ قلبه تجاهَ إخوانه المسلمين؟كيف يرجو التوفيقَ من امتلأ قلبه ضغينةً على إخوانه المسلمين؟إنّ الأخلاق الزكيةَ ضرورةٌ لصلاح الدنيا والفوزِ في الآخرة، والحقُّ أنه يستحيل قيامِ حضارة سليمة على قلوبٍ عليلة،أمّا القاسيةُ قلوبهم فتجد القسوةَ في سلوكهم والجفاء في أخلاقهم، مَيلٌ إلى اتِّهام الآخرين فلا يقبَلُ العذر، وفَرَح بافتضاحِ المخطئين مليءٌ بالشماتة، سوءُ ظنّ، بغيٌ وحسَد،أين هم من قول الله عز وجل:(خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ)والعفوُ هو اليسير، أي: اقبَل اليسيرَ الممكن مِن أخلاقِ الناس وأعمالهم كما قال مجاهد رحمه الله، اقبَل الأعذارَ، واسلك العفوَ والمساهلة، واترُكِ الاستقصاءَ في البحثِ والتفتيشِ عن حقائق بواطِنِهم، اصبِر على ذلك، واعفُ عن نقائصِهم وأخطائهم في الصحبةِ والجوار والأخذِ والعطاء لتمضي الحياةُ سهلةً ليّنة؛ لأنَّ الإغضاءَ عن الضعفِ البشري والسماحَة في تعاملات الدنيا من أخلاقِ الكِبار تجاهَ الصغار والأقوياء تجاهَ الضعفاء، وهكذا كانَ النبيّ ،لم يغضَب لنفسِه قطّ، فإذا كان في دينِ الله لم يقُم لغضَبِه شيء، كما أنَّ المسلم مأمورٌ بالإعراض عن الجاهلين وعدَمِ مجاراتهم في الخصامِ واللجاج؛ لأن ذلك يورِث الضغائن وينمّي الأحقادَ ويفسد القلوب، فإذا أطاشَ السفيه عقلَ الحليم فليستَعِذ بالله من الشيطان الرجيم.أيّها المسلمون، أصحاب القلوبِ النقيّة والصدور السليمة لا يبحَثون عمّا تكنّه صدورُ الناس وتنطوي عليه سرائرهم، حبٌّ للخَير وسترٌ على المخطئ وسَعيٌ لإقالة العَثرة وسرورٌ بتوبةِ العاصي، قال الفضيل بن عِياض رحمه الله: "ما أدرك عندنا من أدرَك بكثرةِ نوافل الصلاة والصيام، وإنما أدرَك عندنا بسخاءِ الأنفس وسلامة الصدور والنصحِ للأمة"قيل للنبي:أيُّ الناسِ أفضَل قال:(كلّ مخمومِ القلب صدوقِ اللسان)قالوا:صدوقُ اللسان نَعرفه، فما مخموم القلب قال:(هو التقيّ النقي، لا إثمَ فيه ولا بغيَ، ولا غلّ ولا حسد)رواه ابن ماجه والبيهقيّ،عبادَ الله، ينبغي أن يروِّضَ المسلم نفسَه على الرّضا بما قسَم الله وما رزق وقضَى وقدر، وإذا تذكّر المسلم ثوابَ الله ورِفعة الدرجات لمن طهر قلبه وأدرَك ما يعود عليه من الخيرِ في العاجل والآجل هان عليه ما يلقَاه وتحمَّل وصبر، ولا شكَّ أن هذا يحتاج إلى ترويضِ نفسٍ ومجاهدة، والله تعالى يقول:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)ومَن رضِيَ بقضاء الله لم يُسخِطه أحد، ومن قَنع بعطائه لم يدخُله حسَد، فليجاهِدِ المسلم نفسَه على دفع الخواطر الداعيَةِ إلى الحسد؛ فإنَّ الحسد من أخبث الذنوبِ القلبية، وقد ذكر ابن حجَر رحمه الله أن الغضبَ والحسد والحِقد من كبائرِ الباطن، وليجعل شعارَه حسنَ الظنّ بالمسلمين، وهذا واجِب لقولِ الله عز وجل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا..إِثْمٌ)إنَّ العفوَ والصفح ومقابلةَ الإساءة بالإحسان تعود على قلب صاحبِها بالسكينة والطمأنينةِ وهَدأة النفس وراحةِ البال،وقد قال الله عزّ وجلّ في وصفِ أهل الجنّة:(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ)الاعتيادُ على البِشر وطَلاقَة الوجهِ والتبسّم في وجهِ أخيك المسلم مع أنه صَدَقة فإنه أيضًا يطيّب النفوس ويُقارب الأرواحَ ويشيع روحَ الإخاء والمحبّة وينشر الثقةَ والأمان. تجنّبِ المِراءَ والجدل فإنّه يذكِي العداوةَ ويورِث الشقاق ويدعو لطلب التشفِّي والانتصار. واجعل تقوَى الله دائما في قلبك، واذكر يومًا إذا بُعثِر ما في القبورِ وحُصِّل ما في الصّدور.
الخطبة الثانية:أمّا بعد:أيّها المسلِمون،إنَّ التغاضي والتغافُلَ عن أخطاء الآخرين من أخلاقِ الأكابر والعظَماء ودليلٌ على سموِّ النفسِ وشفافيّتها، ومن امتلأ قلبُه بالإيمان وصفَا من الأضغانِ فإنه سريع العفوِ والغفران، كوقفِ النبيّ الكريم يوسفَ عليه السلام حين قال لإخوته:(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ)إنّه لم يعاتِبهم حتى مجرَّد المعاتبة، بل زاد أن دعَا لهم؛ ولذا استحَقّ ميراثَ النبوة ورفَع الله قدرَه في الدنيا والآخرة.قال ابن الأثير رحمه الله متحدِّثًا عن صلاح الدينِ الأيّوبي رحمه الله، قال: "وكان رحمَه الله حليمًا حسَنَ الأخلاقِ متواضِعًا صبورًا على ما يكره كثيرَ التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمَع من أحدهم ما يكرَه ولا يعلمه بذلك، ولا يتغيّر عليه".هذه أيها المسلمون أخلاقُ صاحبِ حطّين ومحرّرِ فلسطين وفاتِح بيت المقدِس، هذه أخلاقُ الأبطال(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)كما هي حال الرسول الكريم وأصحابه الميامين؛(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)أمّا الأذلّةُ للكافرِين الأشدّاء على المؤمنين فلا تنتَظِر منهم فتحًا ولا نصرًا.عباد الله، مصاحبة الأخيار ومجالسة أولى الفَضل مما يربي على مكارِم الأخلاق، ومجالَسةُ ذوي المروءاتِ يشرّف النفسَ ويعلي همّتها ويطهّرها من الرذائل، والإنسان مولَعٌ بمحاكاة من حوله، شَديد التأثّر بمن يصاحبه. وإنَّ من مصاحبةِ الأخيار مصاحبةَ سِيَرهم ومطالعة أخبارهم وإدامةَ النظر في سيرةِ سيّد البشر وفي سيرةِ صحابته الكرَام.لقد كادَ النبيّ أن يهلِك من شدّة شفقَتِه على الناس وحرصِه على هدايتهم، حتى عاتبه ربه بقوله:(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)وقال:(فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)يمسَح الدّمَ عن وجهه ويقول:(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)يطارَد ويشرَّد ويؤذى ويكذَّب فلما عاد منتصرًا قال:(اذهبوا فأنتم الطلقاء)إنها أخلاقُ الأنبياء، لا تحمِل الحِقد ولا الشحناء، ولا تعرف الحسَدَ ولا البغضاء، وعلى نهجِهم سار الأتقياء الصالحون.
الخطبة الثانية:أمّا بعد:أيّها المسلِمون،إنَّ التغاضي والتغافُلَ عن أخطاء الآخرين من أخلاقِ الأكابر والعظَماء ودليلٌ على سموِّ النفسِ وشفافيّتها، ومن امتلأ قلبُه بالإيمان وصفَا من الأضغانِ فإنه سريع العفوِ والغفران، كوقفِ النبيّ الكريم يوسفَ عليه السلام حين قال لإخوته:(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ)إنّه لم يعاتِبهم حتى مجرَّد المعاتبة، بل زاد أن دعَا لهم؛ ولذا استحَقّ ميراثَ النبوة ورفَع الله قدرَه في الدنيا والآخرة.قال ابن الأثير رحمه الله متحدِّثًا عن صلاح الدينِ الأيّوبي رحمه الله، قال: "وكان رحمَه الله حليمًا حسَنَ الأخلاقِ متواضِعًا صبورًا على ما يكره كثيرَ التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمَع من أحدهم ما يكرَه ولا يعلمه بذلك، ولا يتغيّر عليه".هذه أيها المسلمون أخلاقُ صاحبِ حطّين ومحرّرِ فلسطين وفاتِح بيت المقدِس، هذه أخلاقُ الأبطال(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)كما هي حال الرسول الكريم وأصحابه الميامين؛(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)أمّا الأذلّةُ للكافرِين الأشدّاء على المؤمنين فلا تنتَظِر منهم فتحًا ولا نصرًا.عباد الله، مصاحبة الأخيار ومجالسة أولى الفَضل مما يربي على مكارِم الأخلاق، ومجالَسةُ ذوي المروءاتِ يشرّف النفسَ ويعلي همّتها ويطهّرها من الرذائل، والإنسان مولَعٌ بمحاكاة من حوله، شَديد التأثّر بمن يصاحبه. وإنَّ من مصاحبةِ الأخيار مصاحبةَ سِيَرهم ومطالعة أخبارهم وإدامةَ النظر في سيرةِ سيّد البشر وفي سيرةِ صحابته الكرَام.لقد كادَ النبيّ أن يهلِك من شدّة شفقَتِه على الناس وحرصِه على هدايتهم، حتى عاتبه ربه بقوله:(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)وقال:(فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)يمسَح الدّمَ عن وجهه ويقول:(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)يطارَد ويشرَّد ويؤذى ويكذَّب فلما عاد منتصرًا قال:(اذهبوا فأنتم الطلقاء)إنها أخلاقُ الأنبياء، لا تحمِل الحِقد ولا الشحناء، ولا تعرف الحسَدَ ولا البغضاء، وعلى نهجِهم سار الأتقياء الصالحون.