أبو إبراهيم
29-01-2008, 08:58 PM
" المرأة وقيادة السيارة بين الرفض والإيجاب "
كتبه / محمد بن ابراهيم السبر*
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،،
فإن موضوع قيادة المرأة للسيارات والمركبات موضوع يُثار في بلادنا بين الفينة والأخرى من هنا وهناك، تأثراً أو مشاركةً للظروف المحيطة أو العالمية , ولقد كثُر الحوار والجدل حول قيادة المرأة السعودية للسيارة ما بين مؤيد ومعارض وتطلعنا وسائل الإعلام خاصةً الصحفُ والانترنت ببعضِ ما استدل به المؤيدون لقيادةِ المرأةِ للسيارةِ، ولعلي في هذه العجالة أن أجمل ما قالوه واتبعه بالرد عليه مع بيان الأبعاد الأمنية والاجتماعية والاقتصادية لهذا الموضوع وبيان الحكم الشرعي في ذلك .
يقولون إنَّ النساءَ قد ركبْنَ في زمنِ النبي r الإبلَ لوحدِهن ولم يُنكَرْ عليهن.
وهذا الكلامُ لا دليلَ عليه، فلم يثبتْ في دليل، ولا توجد حادثةٌ تشهدُ لقولهم بل بالعكس ؛ فإنَّ من يراجعُ أحاديثَ النبيِ r وسيرتَه يتضحُ له أنَّ النساءَ كن يركبْنَ متستراتٍ في الهودجِ على ظهورِ الإبلِ، ويقودُ بهن أحدُ الرجالِ من محارمهنَّ كما روى البخاريُ أنَّ النبيَ r كان من سيرتِه أنَّهُ يخرجُ بإحدى نسائِه في غزواتِه، ويجعلُها تركبُ في الهودج ، ويأمرُ أحداً يقودُ بها البعيرُ أو من المماليكِ، أو يركبْن رديفاتٍ لأحدِ محارمِهنَّ، أي خلف ظهرِه، كما في البخاري أنَّ النبيَّ r أمر عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر الصديق أن يردفَ عائشةَ، ويُعمِرَها من التنعيم، وعلى التسليِم أنها تقودُ الجملَ، فيا أيها العقلاءُ هل هناك مقارنةٌ بين الجملِ والسيارة، أليستْ السيارةُ تحتاجُ إلى أوراقٍ ثبوتية، وتأكدٍ من هويةِ السائق، إضافةً إلى ما يترتبُ عليها من الحوادثِ المتلفةِ للأنفسِ والممتلكات، ولما تتطلبُه قيادتهُا من الفنِ والمهارةِ، وقد جُعلتْ لها أقسامٌ وجهاتٌ رسمية، لم تجعلْ للجمالِ والبغالِ والحمير!!
2- وذكر بعضُهم أيضاً أنَّ قيادةَ المرأةِ سيكونُ مثلُ تعليمِها ؛ حيث عارضهُ البعضُ في بدايةِ أمرهِ، ثم تقبلوه تدريجياً.
ونقول شتان بين الأمرين، فتعليمُ المرأةِ المسلمةِ أمرٌ رغبَ فيه الشرعُ المطهر، والذين عارضوا أمرَ التعليمِ في أولِ الأمر لم يعارضوه لذاتِه، كما يتوهمُ البعضُ أو يتغافلُ، إنَّما عارضوه لأنَّهم خشوا أن يكونَ حالُه كحالِ تعليمِ النساءِ في الدولِ العربية والإسلاميةِ الأخرى ؛ حيثُ الاختلاطُ والمناهج الفاسدة ، فلما تيقنوا أنَّ هذا لن يحدث ، وأنَّ التعليمَ سيرتبطُ بعلماءِ الشريعةِ، وسيكونُ مستقلاً اطمأنوا لذلك، فأين تعليمُ المرأةِ المسلمةِ التي تخرجُ من بيتِها بحجابٍ كامل، إلى مدرسةٍ خاصةٍ ببناتِ جنسِها مغلقةِ الأبواب ، وعليها الحراس، وتُدَرسُ مناهج إسلامية وأخرى نافعة، من قيادةِ السيارةِ وما فيها من المفاسد ؟!!
3- ويقولون أنه يمكنُ أن تقودَ المرأةُ السيارة وهي محجبةٌ !!
والواقعُ يكذبُ هذا القولَ ويبطلُه، لأن من قادتْ من النساء سوف تكشفُ وجهَها لتحذرَ عقباتِ الطرق ، ومغباتِ الحوادث، وعلى فرضِ أنه يمكنُ تطبيقه في ابتداءِ الأمرِ، هل سيستمرُ أم يتحولُ بعد فترة وجيزة ؟
يوضحُ ذلك ما ذكرتْه صحيفةُ الشرقِ الأوسطِ الصادرةِ في عامِ ألفٍ وأربعِمائة وتسعةَ عشر في شهرِ ربيعٍ الأول في اليومِ الخامس، وفيه : ( أن إدارةَ المرورِ في قطر سنتْ قانوناً يمنع النساءَ المنقباتِ من قيادةِ السيارات .
وقالتْ الصحيفة : إن الإدارةَ العامةَ للمرورِ التابعةَ لوزارةِ الداخلية سنتْ القانونَ الجديدَ بقصدِ تجنبِ تَخفي البعضِ من النساء أو الرجال تحت النقابِ للقيامِ بأعمالٍ مخالفةٍ للقانون ؛ ومنهم فئةُ صغارِ السنِ من الشباب غيرِ المسموح لهم باستصدارِ رخصِ قيادةِ السيارات، حيث يتخفون في زيِ المنقباتِ ويقومون بقيادةِ السياراتِ، مما يؤدي إلى أضرارٍ بالغيرِ في الشارع ".
فماذا يقولُ المطالبون بقيادةِ المرأةِ بهذا التصريحِ من بلدٍ عربيٍ مجاور ؟!! أرأيتم كيف أصبحتْ القيادة سبباً لإسقاطِ الحجاب !!
4- يقولون قيادةُ المرأةِ للسيارةِ ضرورةٌ من ضروراتِ العصرِ، ومطلبٌ من متطلباتِ الحياةِ،
والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه بنفسِه، هل العصرُ والحياةُ أدلةٌ شرعيةٌ تتحكمان في حياتِنا وشئوننِا ، بحيثُ ما أحله العصرُ أو ارتضاه أهلُه يكون حلالاً ، وما حرمتْه الحياةُ أو أبغضَهُ الناسُ يكون حراماً ؟!
أم أننا متعبدون بدينٍ ربانيٍ ، و منهجٍ إيماني ؟!.
وهل كلُّ ما كان من ضرورياتِ العصرِ يكونُ حلالا ؟!
إذن ما تقولون في الربا الذي ضرب بجذورِه في بلادِ العالم كافةً، هل سيكونُ حلالا ؟ يقول الله تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) .
5- ومما قالوه أيضاً : أنَّ هناك أُسراً لا يوجدُ من يعولهُم، وأراملُ لا ولي يقومُ على شؤونهِم، والسماحُ لنساءِ هؤلاءِ بالقيادةِ فيه دفعٌ لحاجتِهم، وتخفيفٌ لضرورتهِم.
ويقالُ لهؤلاء إنَّ الأراملَ والمحتاجاتِ في المجتمع لن يستفدْن من السماحِ للمرأةِ بقيادةِ السيارة شيئا ، لأنَّ غالبَهن لا يستطيعن شراءَ السيارةِ فضلاً عن تحملِ تبعاتهِا، لكونهنَّ لا يستطعنْ تحملَ تبعاتِ بيوتهِن أصلاً !!
وإذا كانتْ أمهاتُ الأسرِ الفقيرة بحاجةٍ إلى القيادةِ فليحضرْن سائقاً يقضين به ضرورتهَن مع عدمِ الخلوةِ بهن بحالٍ من الأحوال، مع العلمِ أنَّه قد وفر الكثير من حاجات النقل الضرورية، فالتعليمُ العامُ والجامعيُّ تتوفرُ فيه حافلاتُ نقلٍ مجانية ، والمستشفيات فد وُفرتْ لها سياراتُ الإسعافِ لنقل المرضى من أي مكانٍ في البلدِ إلى المستشفيات، فضلاً عن الجمعيات الخيرية التي تقومُ على الأسرِ المحتاجةِ ، والترابطِ الاجتماعي المتميزِ في بلادنا ، بين غالبِ الأقاربِ والجيران .
6- ومما قاله المطالبون بالقيادِة قولهُم: إنَّ قيادةَ المرأةِ خيرٌ لها من الخلوةِ بالسائقِ الأجنبي !!
ومن تأمل بعينِ الإنصافِ والتجردِ علم أن كلاَ الأمرينِ فيهما ضررٌ وأحدُهما أضرُّ من الآخر، ولكن ليس هناك ضرورةٌ توجبُ ارتكابَ أحدِهما، فقيادةُ المرأةِ للسيارة مفاسدُها أعظم، وخطرُها أكبرُ، فالشرعُ عندما حرم الخلوةَ بالمرأةِ إنما حرمها سداً لذريعةِ الفساد، لكنَّ القيادةَ يلزمُ منها الوقوعُ في الحرامِ، ككشفِ الوجه ، وخلع الحجاب , ونزعِ الحياء - والحياءُ من الإيمان - وسببٌ لكثرةِ الخروج من المنزل - وبيتُها خيرٌ لها - كما قال r ، وفتحُ البابِ على مصراعيه لها، بحيثُ تخرجُ متى تشاء ، وإلى مَنْ تشاء ، وحيث شاءتْ ، وتمردُها على زوجِها وأهلِها ، فلأدنى سبب يُثيرُها في البيتِ تخرُج منه ، وتذهبُ لسيارتهِا إلى حيث ترى، وكذا مطالبتُها بصورتهِا في رخصةِ القيادةِ للتحققِ من هويتِها،
وكما أنها سببٌ للفتنة في مواقفَ عديدة : في الوقوفِ عند إشاراتِ الطريق، وعند نقطِة التفتش، وفي الوقوفِ لملءِ إطارِ السيارةِ بالهواء، وفي الوقوفِ عند محطاتِ البنزينِ، وفي الوقوفِ عند رجالِ المرورِ عند التحقيقِ في مخالفةٍ أو حادث، وفي الوقوفِ عند خللٍ يقعُ بالسيارة أثناء الطريقِ، فتحتاجُ المرأةُ إلى إسعافِها ، فماذا تكونُ حالتُها ؟ وربما تصادفُ رجلاً سافلاً يساومُها على عرضِها في تخليصِها من محنتِها ، لا سيما إذا عظمتْ حاجتُها حتى بلغتْ حدَّ الضرورة.
وهل يتوقعُ أن الأسرَ ستستغني عن السائقِ الذي اعتادتْ تكليفَه بشراءِ حوائجِ البيت ، وإيصالِ من شاءوا وسط الليلِ، وغسيلِ السيارات وأفنيةِ المنازل ، وتعبئةِ اسطواناتِ الغاز وحملِها، إلى آخر القائمة المعروفة، هل ستستغني الأسرُ عنه وقد اعتادتْ عليه، لتقومَ نساؤُها بذلك، وهل ستقومُ النساءُ مقامَه في توصيلِ من يريدن ؟ إن معظمَ الشبابِ يتثاقلون عن خدمةِ أهاليهم وتحريكِ سياراتهِم لأقرب مكان، فما الظنُّ بالنساء ؟!! ثم إنَّ واقعَ الدولِ القريبة منا يشهدُ بهذا، حيث قادتْ نساؤُهم وبقي السائقون في بيوتهِم !! فاجتمع الضرران . فالسائق ضرره خاص والقيادة ضررها عام.
ويقولون إن قيادة المرأة للسيارة ستكون سببا في الاستغناء عن السائقين فنقول بالعكس إن السماح بقيادة المرأة للسيارة في المملكة لن يكون سبباً في الاستغناء عن السائقين كما يدَّعي من يطرحونها، فالتجربة الموجودة في دول الخليج تؤكد ذلك، فإن نسبة 80% من الأسر الخليجية لديهم سائقون مع كون قيادة المرأة للسيارة متاحة وهذا يضيف من الأعباء ما يضيف، ولا يحقق أي توفير اقتصادي أبداً، بل هو عبء اقتصادي آخر على المجتمع.
7- وقالوا: ألا تروْن أننا بالسماحِ بالقيادةِ نتخلصُ من الضغوطِ الكثيرة التي تتعرضُ لها بلادُنا من الغربِ، بخصوصِ قضيةِ المرأة ، فنرتاحُ بعدها، ونتنفسُ الصعداءَ من هذا الشدِ والتأزمِ الذي نعيشُه.
ونقولُ: هيهات أن يكونَ ذلك !! لأن الغربَ كلما زدتَّ له انبطاحاً زاد ضغطاً في أمورٍ قد لا ترضونها سياسياً ولا شرعيا !! وقد أخبرنا اللهُ عن حقيقةٍ ينبغي أن لا تغيبَ عن أذهاننِا وأن لا نحاولَ خداعَ أنفسِنا بتجاهِلها، وهي أن الغربَ لن يرضى عنا دون الكفرِ باللهِ تعالى، فهل ترضون بهذا ؟! يقولُ الله تعالى : (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ ) (سورة البقرة :120) .
فلا نحلم برضى الكفارِ أو تخفيفِ الضغوطِ عنا ما دمنا على الإسلامِ، وليكنْ لنا عبرةٌ بحال تركيا، فهاهي قدمتْ التنازلاتِ تلو التنازلات التي لا تخفى على متابعِ، فعلمَنَتْ البلاد ، وحاربتْ مظاهرَ الإسلام ، وكل هذا لتُرضيَّ الغربَ النصراني وتتذللَ له أن يقبلَها عضوا في الاتحادِ الأوربي ، ولكن ماذا كانتْ النتيجةُ إلى يومنا هذا؟
والسببُ أن تركيا إلى الآن لم تعلنْ نصرانيتَها حتى يرضى الغربُ عنها كما أخبرنا تعالى. وواجب المسلمين الاستمساك بالكتب والسنة والثبات عليهما في واقع الأفراد والمجتمعات.
8- يقولون إننا نعالج قضية اجتماعية مهمة .
فنقول لهم هنالك قضايا تتعلق بالبطالة وبالتعليم وبالخدمات العامة هي أجدر بالمناقشة والطرح والاهتمام إن كنا حريصين فعلاً على مصلحة بلادنا.
ويحقُ لنا أن نتساءلَ , هل قضيةُ قيادةِ المرأةِ للسيارةِ هي أهمُ قضيةٍ نحتاجُها الآن ؟!! أليستْ هناك قضايا أهمَّ وأولى بالطرحِ من هذه القضية ؟ أليستْ قضيةُ العنوسةِ مشكلةً ضخمةً للغاية تحتاجُ إلى وقفةٍ جادةِ من الجميع؟
أليستْ قضيةُ الطلاقِ والمطلقاتِ وما يواجهْنَه من مشاكلَ ومصاعبَ تحتاجُ إلى علاج ؟! كم نسبةُ النساءِ المطلقاتِ في مجتمعنا ؟هل طُرحتْ مشاريعُ لحلِ مشكلاتهِن وإثارةِ قضاياهن ؟! كم عددُ الأرامل، ماذا قدم المجتمعُ لهن ؟! فيا سبحان الله!! تناسينا كلَ هذه القضايا المصيريةِ، والتفتنا إلى قضيةٍ جانبية ؟!.
9- ويقولون إن المرأةُ السعودية محرومة ومهضومة الحقوق.
فنقول إنها أبعدُ ما تكونُ عما يحدثُ لنساءِ العالمِ من اعتداءٍ صارخٍ ونهبٍ للحقوق، والمرأةُ في هذه البلادِ تُدركُ جيداً أنها غاليةٌ ومعززةٌ ومكرمةٌ، فمعاملاتهُا تسيرُ في الجهاتِ الرسميةِ أولاً لأنها امرأةٌ، ولا تقفُ في الطابورِ لأنها امرأةٌ ، وتتعاملُ معها الدولةُ وكافةُ الجهاتِ الرسميةِ بكثيرٍ من الاحترامِ والتقديرِ والمراعاةِ لكونهِا امرأةً، فتمثلُ قيمةً لدى حكومتِها ولدى أسرتهِا، فهي محاطةٌ بهالة من الحماية والاحترامِ.
هذا جلُ ما يقول به المطالبون بقيادةِ المرأةِ للسيارة.
إن موضوع قيادة المرأة للسيارة موضوع له أبعاده العلمية الشرعية، والاجتماعية، والأمنية، والاقتصادية والثقافية. لكن أهم هذه النواحي هو :
- البعد العلمي الشرعي، والمرجع فيه إلى علماء الشريعة الذين أُمرنا شرعاً وديناً بالرد إلى استنباطهم في آية من سورة النساء خرجت مخرج الذم والمعيبة للمنافقين وأشباههم، في قوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.
كما ألفت الانتباه إلى أصل عظيم من أصول الشريعة يدركه جيداً أهل العلم ويغيب عن عوام الناس ، وهذا المدخل أن المحرمات في الإسلام نوعان:
1- محرم منصوص على تحريمه، كتحريم الخمر والميسر والربا والزنا وغيرها.
2- محرم مستنبط تحريمه فلم يرد فيه نص بخصوصه، كالمخدرات - مثلاً - فهي محرمة بالقياس على الخمر والمسكرات، ولا أظن عاقلاً يجادل في تحريم الأفيون حيث لم يرد على تحريمه نص صريح! إلا إن كان مكابراً أو متجاهلاً مفاسدَه الخطيرة.
ومن هذا الباب ما يتعلق بما أفتى به كبار العلماء، أكبرُ المرجعيات العلمية الشرعية في بلادنا. في هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وتعيناً في سماحة الشيخين:عبدالعزيز بن باز، ومحمد بن عثيمين - رحمهما الله - ومَنْ بعدهما من كبار العلماء وفحول المتخصصين في فقه الإسلام، حيث أفتوا بتحريم قيادة المرأة للسيارة. وهذا التحريم مأخذه ومناطه لآثاره الفاسدة، وذرائعه الخطيرة على المرأة المسلمة في بلادنا ومجتمعنا.
فالتحريم إذن مناط بوسائله لا لذاته.
هذا ومما يؤيد تحريم قيادة المرأة للسيارة عدد من المآخذ الواقعة والتي لا بد من اعتبارها وتأثيرها في الحكم، ومنها:
- أن قيادة المرأة للسيارة سبب رئيس لخروجها من بيتها الذي أُمر نساء المؤمنين بالقرار به في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} الآية.
- انه سبب لخروجها عن قوامة الرجل والله عز وجل يقول: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}.
- أنه سبب مباشر لسفر المرأة بلا محرم يرعاها ويصونها وفي الصحيحين قول النبي r: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم).
- أنه ذريعة لإهدار حرمتها وكرامتها بتعرضها للسفهاء واللئام، أو تعرضها هي للرجال بالأذى والمغازلات والمعاكسات، فإذا قادت البنت والمرأة السيارة لوحدها تحققت هذه الذريعة الواقعة لا محالة للفاحشة، والله تعالى نهى عن قرب الفاحشة فكيف عن الوقوع فيها! قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}.
الأبعاد الأمنية والمروية :
- تسجلُ الإحصاءاتُ المروريةُ الرسميةُ أنَّ هناك تصاعداً في خطورةِ حوادثِ الطرقِ داخل المملكة، هذا الإحصاءُ والنساءُ لم يقدْن، فكيف إذا قادتْ النساءُ فكم ستصبحُ حوادثُ المرور؟ وكم سيكونُ عددُ الضحايا؟وقد أكدتْ الدراساتُ في شتى دولِ العالمِ أن خمساً وثمانين بالمائةِ من أسبابِ الحوادث ترجعُ إلى السائق ؟ مع العلمِ أن الرجلَ أثبتُ قلباً، وأقوى إرادةً، خاصةً في وقتِ الأزماتِ، فماذا سيكونُ الحالُ مع قيادةِ المرأةِ الرقيقةِ الناعمة ؟!!
- وجود الازدحام المؤذي في المدن الكبيرة كالرياض وجُدة مثلاً بدون قيادة المرأة للسيارة، فكيف لو قادت بنفسها!؟
- كذلك يلزم لقيادتها، إخراج رخصة قيادة خاصة بها تشمل صورتها - كذا وجود كادر أمني ومروري من النساء ثم إسعافات نساء.. وهكذا.
الأثر الاجتماعي
-في تضييع المرأة زوجة أو أماً أو بنتاً لواجباتها والحقوق التي عليها من رعايتها لبيتها ومَنْ تعول من الأزواج والأولاد والبنات قال r: " والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ".
الأبعاد الاقتصادية :
- قيادة المرأة للسيارة يسبب عبئاً اقتصادياً على الدولة وعلى ولي أمرها بل عليها نفسها. وسترهق كواهل كثير من الأسر التي تعاني حتى توفر سيارة واحدةً لها، خاصة في ظل التقليد الذي يسري بين الناس فيضطرهم إلى الاستدانة والدخول في دوَّامات التقسيط كما هو ثابت في مجتمعنا.
- إذا قادت السيارة النساء صارت مشاركة بنفسها، أسواق بيع السيارات وحراجها ومدرستها وصيانتها، وسجون توقيف المخالفات في القيادة.. مما يشكل أعباء كثيرة على الدولة.
ثم أما بعد:
فأعيد على بدء بإرجاع هذه الأحكام والنوازل إلى المتخصصين من علماء الشريعة وذوي الفتوى فيها. ولا يجوز ابتذال الموضوع لولوغ غير المؤهلين والمتخصصين بالشريعة فيه، ولو حملوا الشهادات العليا في علوم وفنون أخر، ومن الأدب احترام التخصص، بل هو دين في شريعتنا، أحكام الحلال والحرام، والله - عز وجل - يقول في آية النحل: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
لقد أمر اللهُ عز وجل بالرجوعِ لأهلِ العلمِ كما قال سبحانه : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (سورة النساء :83)
وفي الختام أوجهُ الجميع بما يلي :
أولاً : التواصل الدائم مع ولاة الأمور – أيدهم الله - والعلماء - وفقهم الله – في مثل هذه الأمور وغيرها بالزيارة والكتابة والإبراق لتثبيتهم للبقاء على موقفهم الرافض لقيادة المرأة للسيارة والحرص على الحكمة والموعظة الحسنة ومعرفة ما لهم من أدب واحترام ومنزلة ، وإنكار المنكر إنما يكون بالطرق الشرعية والآداب المرعية مع الحذر في مثل هذه الحالات وغيرها من التجمهر أو الإثارة ، وعلى العلماءِ وطلابِ العلمِ وأئمة المساجد أن يبينوا الحقَ للناسِ في هذه القضية وأثرَها الفاعلَ في فسادِ نساءِ المجتمع.
ثانيا : الحرص على رعاية النساء والبنات الرعاية الاسلامية بتربيتهن على الحياء والعفاف منذ الصغر والقيام بواجب القوامة والولاية .
ثالثاً : على كل وليٍ من الأولياءِ القيامُ بخدمةِ أهليهم وقضاءِ حوائجِ أخواتهِم درءاً لفتنةِ السائقين، وسداً لذريعةِ القائلين بقيادةِ المرأة للسيارة . فقم أيها الأب أيها الزوج بواجب الرعاية والنفقة أد الذي عليك أنت راع ومسؤول عن رعيتك لا تضيع من تقوت وتعول. والابن الصالح يبر والديه لا يحوجهما إلى سائق والبنت الصالحة برة بأمها تساعدها في أمور المنزل لا تحوجها إلى خادمة ، الجارة تعين جارتها في الولائم والمناسبات.
والله سبحانه وتعالى المسؤول أن يلهمنا رشدنا ويوفقنا للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعلي كلمته وينصر دينه ويخذل أعداءه ويحفظ علينا ديننا وأمننا وولاة أمرنا وعلمائنا واجتماعنا وعوارتنا، كما أساله سبحانه أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يعز الإسلام وأهله وأن يذل الباطل ويهدي أهله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .
______________________________ ___________
* إمام وخطيب جامع الاميرة موضي السديري بالعريجاء.
كتبه / محمد بن ابراهيم السبر*
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،،
فإن موضوع قيادة المرأة للسيارات والمركبات موضوع يُثار في بلادنا بين الفينة والأخرى من هنا وهناك، تأثراً أو مشاركةً للظروف المحيطة أو العالمية , ولقد كثُر الحوار والجدل حول قيادة المرأة السعودية للسيارة ما بين مؤيد ومعارض وتطلعنا وسائل الإعلام خاصةً الصحفُ والانترنت ببعضِ ما استدل به المؤيدون لقيادةِ المرأةِ للسيارةِ، ولعلي في هذه العجالة أن أجمل ما قالوه واتبعه بالرد عليه مع بيان الأبعاد الأمنية والاجتماعية والاقتصادية لهذا الموضوع وبيان الحكم الشرعي في ذلك .
يقولون إنَّ النساءَ قد ركبْنَ في زمنِ النبي r الإبلَ لوحدِهن ولم يُنكَرْ عليهن.
وهذا الكلامُ لا دليلَ عليه، فلم يثبتْ في دليل، ولا توجد حادثةٌ تشهدُ لقولهم بل بالعكس ؛ فإنَّ من يراجعُ أحاديثَ النبيِ r وسيرتَه يتضحُ له أنَّ النساءَ كن يركبْنَ متستراتٍ في الهودجِ على ظهورِ الإبلِ، ويقودُ بهن أحدُ الرجالِ من محارمهنَّ كما روى البخاريُ أنَّ النبيَ r كان من سيرتِه أنَّهُ يخرجُ بإحدى نسائِه في غزواتِه، ويجعلُها تركبُ في الهودج ، ويأمرُ أحداً يقودُ بها البعيرُ أو من المماليكِ، أو يركبْن رديفاتٍ لأحدِ محارمِهنَّ، أي خلف ظهرِه، كما في البخاري أنَّ النبيَّ r أمر عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر الصديق أن يردفَ عائشةَ، ويُعمِرَها من التنعيم، وعلى التسليِم أنها تقودُ الجملَ، فيا أيها العقلاءُ هل هناك مقارنةٌ بين الجملِ والسيارة، أليستْ السيارةُ تحتاجُ إلى أوراقٍ ثبوتية، وتأكدٍ من هويةِ السائق، إضافةً إلى ما يترتبُ عليها من الحوادثِ المتلفةِ للأنفسِ والممتلكات، ولما تتطلبُه قيادتهُا من الفنِ والمهارةِ، وقد جُعلتْ لها أقسامٌ وجهاتٌ رسمية، لم تجعلْ للجمالِ والبغالِ والحمير!!
2- وذكر بعضُهم أيضاً أنَّ قيادةَ المرأةِ سيكونُ مثلُ تعليمِها ؛ حيث عارضهُ البعضُ في بدايةِ أمرهِ، ثم تقبلوه تدريجياً.
ونقول شتان بين الأمرين، فتعليمُ المرأةِ المسلمةِ أمرٌ رغبَ فيه الشرعُ المطهر، والذين عارضوا أمرَ التعليمِ في أولِ الأمر لم يعارضوه لذاتِه، كما يتوهمُ البعضُ أو يتغافلُ، إنَّما عارضوه لأنَّهم خشوا أن يكونَ حالُه كحالِ تعليمِ النساءِ في الدولِ العربية والإسلاميةِ الأخرى ؛ حيثُ الاختلاطُ والمناهج الفاسدة ، فلما تيقنوا أنَّ هذا لن يحدث ، وأنَّ التعليمَ سيرتبطُ بعلماءِ الشريعةِ، وسيكونُ مستقلاً اطمأنوا لذلك، فأين تعليمُ المرأةِ المسلمةِ التي تخرجُ من بيتِها بحجابٍ كامل، إلى مدرسةٍ خاصةٍ ببناتِ جنسِها مغلقةِ الأبواب ، وعليها الحراس، وتُدَرسُ مناهج إسلامية وأخرى نافعة، من قيادةِ السيارةِ وما فيها من المفاسد ؟!!
3- ويقولون أنه يمكنُ أن تقودَ المرأةُ السيارة وهي محجبةٌ !!
والواقعُ يكذبُ هذا القولَ ويبطلُه، لأن من قادتْ من النساء سوف تكشفُ وجهَها لتحذرَ عقباتِ الطرق ، ومغباتِ الحوادث، وعلى فرضِ أنه يمكنُ تطبيقه في ابتداءِ الأمرِ، هل سيستمرُ أم يتحولُ بعد فترة وجيزة ؟
يوضحُ ذلك ما ذكرتْه صحيفةُ الشرقِ الأوسطِ الصادرةِ في عامِ ألفٍ وأربعِمائة وتسعةَ عشر في شهرِ ربيعٍ الأول في اليومِ الخامس، وفيه : ( أن إدارةَ المرورِ في قطر سنتْ قانوناً يمنع النساءَ المنقباتِ من قيادةِ السيارات .
وقالتْ الصحيفة : إن الإدارةَ العامةَ للمرورِ التابعةَ لوزارةِ الداخلية سنتْ القانونَ الجديدَ بقصدِ تجنبِ تَخفي البعضِ من النساء أو الرجال تحت النقابِ للقيامِ بأعمالٍ مخالفةٍ للقانون ؛ ومنهم فئةُ صغارِ السنِ من الشباب غيرِ المسموح لهم باستصدارِ رخصِ قيادةِ السيارات، حيث يتخفون في زيِ المنقباتِ ويقومون بقيادةِ السياراتِ، مما يؤدي إلى أضرارٍ بالغيرِ في الشارع ".
فماذا يقولُ المطالبون بقيادةِ المرأةِ بهذا التصريحِ من بلدٍ عربيٍ مجاور ؟!! أرأيتم كيف أصبحتْ القيادة سبباً لإسقاطِ الحجاب !!
4- يقولون قيادةُ المرأةِ للسيارةِ ضرورةٌ من ضروراتِ العصرِ، ومطلبٌ من متطلباتِ الحياةِ،
والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه بنفسِه، هل العصرُ والحياةُ أدلةٌ شرعيةٌ تتحكمان في حياتِنا وشئوننِا ، بحيثُ ما أحله العصرُ أو ارتضاه أهلُه يكون حلالاً ، وما حرمتْه الحياةُ أو أبغضَهُ الناسُ يكون حراماً ؟!
أم أننا متعبدون بدينٍ ربانيٍ ، و منهجٍ إيماني ؟!.
وهل كلُّ ما كان من ضرورياتِ العصرِ يكونُ حلالا ؟!
إذن ما تقولون في الربا الذي ضرب بجذورِه في بلادِ العالم كافةً، هل سيكونُ حلالا ؟ يقول الله تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) .
5- ومما قالوه أيضاً : أنَّ هناك أُسراً لا يوجدُ من يعولهُم، وأراملُ لا ولي يقومُ على شؤونهِم، والسماحُ لنساءِ هؤلاءِ بالقيادةِ فيه دفعٌ لحاجتِهم، وتخفيفٌ لضرورتهِم.
ويقالُ لهؤلاء إنَّ الأراملَ والمحتاجاتِ في المجتمع لن يستفدْن من السماحِ للمرأةِ بقيادةِ السيارة شيئا ، لأنَّ غالبَهن لا يستطيعن شراءَ السيارةِ فضلاً عن تحملِ تبعاتهِا، لكونهنَّ لا يستطعنْ تحملَ تبعاتِ بيوتهِن أصلاً !!
وإذا كانتْ أمهاتُ الأسرِ الفقيرة بحاجةٍ إلى القيادةِ فليحضرْن سائقاً يقضين به ضرورتهَن مع عدمِ الخلوةِ بهن بحالٍ من الأحوال، مع العلمِ أنَّه قد وفر الكثير من حاجات النقل الضرورية، فالتعليمُ العامُ والجامعيُّ تتوفرُ فيه حافلاتُ نقلٍ مجانية ، والمستشفيات فد وُفرتْ لها سياراتُ الإسعافِ لنقل المرضى من أي مكانٍ في البلدِ إلى المستشفيات، فضلاً عن الجمعيات الخيرية التي تقومُ على الأسرِ المحتاجةِ ، والترابطِ الاجتماعي المتميزِ في بلادنا ، بين غالبِ الأقاربِ والجيران .
6- ومما قاله المطالبون بالقيادِة قولهُم: إنَّ قيادةَ المرأةِ خيرٌ لها من الخلوةِ بالسائقِ الأجنبي !!
ومن تأمل بعينِ الإنصافِ والتجردِ علم أن كلاَ الأمرينِ فيهما ضررٌ وأحدُهما أضرُّ من الآخر، ولكن ليس هناك ضرورةٌ توجبُ ارتكابَ أحدِهما، فقيادةُ المرأةِ للسيارة مفاسدُها أعظم، وخطرُها أكبرُ، فالشرعُ عندما حرم الخلوةَ بالمرأةِ إنما حرمها سداً لذريعةِ الفساد، لكنَّ القيادةَ يلزمُ منها الوقوعُ في الحرامِ، ككشفِ الوجه ، وخلع الحجاب , ونزعِ الحياء - والحياءُ من الإيمان - وسببٌ لكثرةِ الخروج من المنزل - وبيتُها خيرٌ لها - كما قال r ، وفتحُ البابِ على مصراعيه لها، بحيثُ تخرجُ متى تشاء ، وإلى مَنْ تشاء ، وحيث شاءتْ ، وتمردُها على زوجِها وأهلِها ، فلأدنى سبب يُثيرُها في البيتِ تخرُج منه ، وتذهبُ لسيارتهِا إلى حيث ترى، وكذا مطالبتُها بصورتهِا في رخصةِ القيادةِ للتحققِ من هويتِها،
وكما أنها سببٌ للفتنة في مواقفَ عديدة : في الوقوفِ عند إشاراتِ الطريق، وعند نقطِة التفتش، وفي الوقوفِ لملءِ إطارِ السيارةِ بالهواء، وفي الوقوفِ عند محطاتِ البنزينِ، وفي الوقوفِ عند رجالِ المرورِ عند التحقيقِ في مخالفةٍ أو حادث، وفي الوقوفِ عند خللٍ يقعُ بالسيارة أثناء الطريقِ، فتحتاجُ المرأةُ إلى إسعافِها ، فماذا تكونُ حالتُها ؟ وربما تصادفُ رجلاً سافلاً يساومُها على عرضِها في تخليصِها من محنتِها ، لا سيما إذا عظمتْ حاجتُها حتى بلغتْ حدَّ الضرورة.
وهل يتوقعُ أن الأسرَ ستستغني عن السائقِ الذي اعتادتْ تكليفَه بشراءِ حوائجِ البيت ، وإيصالِ من شاءوا وسط الليلِ، وغسيلِ السيارات وأفنيةِ المنازل ، وتعبئةِ اسطواناتِ الغاز وحملِها، إلى آخر القائمة المعروفة، هل ستستغني الأسرُ عنه وقد اعتادتْ عليه، لتقومَ نساؤُها بذلك، وهل ستقومُ النساءُ مقامَه في توصيلِ من يريدن ؟ إن معظمَ الشبابِ يتثاقلون عن خدمةِ أهاليهم وتحريكِ سياراتهِم لأقرب مكان، فما الظنُّ بالنساء ؟!! ثم إنَّ واقعَ الدولِ القريبة منا يشهدُ بهذا، حيث قادتْ نساؤُهم وبقي السائقون في بيوتهِم !! فاجتمع الضرران . فالسائق ضرره خاص والقيادة ضررها عام.
ويقولون إن قيادة المرأة للسيارة ستكون سببا في الاستغناء عن السائقين فنقول بالعكس إن السماح بقيادة المرأة للسيارة في المملكة لن يكون سبباً في الاستغناء عن السائقين كما يدَّعي من يطرحونها، فالتجربة الموجودة في دول الخليج تؤكد ذلك، فإن نسبة 80% من الأسر الخليجية لديهم سائقون مع كون قيادة المرأة للسيارة متاحة وهذا يضيف من الأعباء ما يضيف، ولا يحقق أي توفير اقتصادي أبداً، بل هو عبء اقتصادي آخر على المجتمع.
7- وقالوا: ألا تروْن أننا بالسماحِ بالقيادةِ نتخلصُ من الضغوطِ الكثيرة التي تتعرضُ لها بلادُنا من الغربِ، بخصوصِ قضيةِ المرأة ، فنرتاحُ بعدها، ونتنفسُ الصعداءَ من هذا الشدِ والتأزمِ الذي نعيشُه.
ونقولُ: هيهات أن يكونَ ذلك !! لأن الغربَ كلما زدتَّ له انبطاحاً زاد ضغطاً في أمورٍ قد لا ترضونها سياسياً ولا شرعيا !! وقد أخبرنا اللهُ عن حقيقةٍ ينبغي أن لا تغيبَ عن أذهاننِا وأن لا نحاولَ خداعَ أنفسِنا بتجاهِلها، وهي أن الغربَ لن يرضى عنا دون الكفرِ باللهِ تعالى، فهل ترضون بهذا ؟! يقولُ الله تعالى : (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ ) (سورة البقرة :120) .
فلا نحلم برضى الكفارِ أو تخفيفِ الضغوطِ عنا ما دمنا على الإسلامِ، وليكنْ لنا عبرةٌ بحال تركيا، فهاهي قدمتْ التنازلاتِ تلو التنازلات التي لا تخفى على متابعِ، فعلمَنَتْ البلاد ، وحاربتْ مظاهرَ الإسلام ، وكل هذا لتُرضيَّ الغربَ النصراني وتتذللَ له أن يقبلَها عضوا في الاتحادِ الأوربي ، ولكن ماذا كانتْ النتيجةُ إلى يومنا هذا؟
والسببُ أن تركيا إلى الآن لم تعلنْ نصرانيتَها حتى يرضى الغربُ عنها كما أخبرنا تعالى. وواجب المسلمين الاستمساك بالكتب والسنة والثبات عليهما في واقع الأفراد والمجتمعات.
8- يقولون إننا نعالج قضية اجتماعية مهمة .
فنقول لهم هنالك قضايا تتعلق بالبطالة وبالتعليم وبالخدمات العامة هي أجدر بالمناقشة والطرح والاهتمام إن كنا حريصين فعلاً على مصلحة بلادنا.
ويحقُ لنا أن نتساءلَ , هل قضيةُ قيادةِ المرأةِ للسيارةِ هي أهمُ قضيةٍ نحتاجُها الآن ؟!! أليستْ هناك قضايا أهمَّ وأولى بالطرحِ من هذه القضية ؟ أليستْ قضيةُ العنوسةِ مشكلةً ضخمةً للغاية تحتاجُ إلى وقفةٍ جادةِ من الجميع؟
أليستْ قضيةُ الطلاقِ والمطلقاتِ وما يواجهْنَه من مشاكلَ ومصاعبَ تحتاجُ إلى علاج ؟! كم نسبةُ النساءِ المطلقاتِ في مجتمعنا ؟هل طُرحتْ مشاريعُ لحلِ مشكلاتهِن وإثارةِ قضاياهن ؟! كم عددُ الأرامل، ماذا قدم المجتمعُ لهن ؟! فيا سبحان الله!! تناسينا كلَ هذه القضايا المصيريةِ، والتفتنا إلى قضيةٍ جانبية ؟!.
9- ويقولون إن المرأةُ السعودية محرومة ومهضومة الحقوق.
فنقول إنها أبعدُ ما تكونُ عما يحدثُ لنساءِ العالمِ من اعتداءٍ صارخٍ ونهبٍ للحقوق، والمرأةُ في هذه البلادِ تُدركُ جيداً أنها غاليةٌ ومعززةٌ ومكرمةٌ، فمعاملاتهُا تسيرُ في الجهاتِ الرسميةِ أولاً لأنها امرأةٌ، ولا تقفُ في الطابورِ لأنها امرأةٌ ، وتتعاملُ معها الدولةُ وكافةُ الجهاتِ الرسميةِ بكثيرٍ من الاحترامِ والتقديرِ والمراعاةِ لكونهِا امرأةً، فتمثلُ قيمةً لدى حكومتِها ولدى أسرتهِا، فهي محاطةٌ بهالة من الحماية والاحترامِ.
هذا جلُ ما يقول به المطالبون بقيادةِ المرأةِ للسيارة.
إن موضوع قيادة المرأة للسيارة موضوع له أبعاده العلمية الشرعية، والاجتماعية، والأمنية، والاقتصادية والثقافية. لكن أهم هذه النواحي هو :
- البعد العلمي الشرعي، والمرجع فيه إلى علماء الشريعة الذين أُمرنا شرعاً وديناً بالرد إلى استنباطهم في آية من سورة النساء خرجت مخرج الذم والمعيبة للمنافقين وأشباههم، في قوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.
كما ألفت الانتباه إلى أصل عظيم من أصول الشريعة يدركه جيداً أهل العلم ويغيب عن عوام الناس ، وهذا المدخل أن المحرمات في الإسلام نوعان:
1- محرم منصوص على تحريمه، كتحريم الخمر والميسر والربا والزنا وغيرها.
2- محرم مستنبط تحريمه فلم يرد فيه نص بخصوصه، كالمخدرات - مثلاً - فهي محرمة بالقياس على الخمر والمسكرات، ولا أظن عاقلاً يجادل في تحريم الأفيون حيث لم يرد على تحريمه نص صريح! إلا إن كان مكابراً أو متجاهلاً مفاسدَه الخطيرة.
ومن هذا الباب ما يتعلق بما أفتى به كبار العلماء، أكبرُ المرجعيات العلمية الشرعية في بلادنا. في هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وتعيناً في سماحة الشيخين:عبدالعزيز بن باز، ومحمد بن عثيمين - رحمهما الله - ومَنْ بعدهما من كبار العلماء وفحول المتخصصين في فقه الإسلام، حيث أفتوا بتحريم قيادة المرأة للسيارة. وهذا التحريم مأخذه ومناطه لآثاره الفاسدة، وذرائعه الخطيرة على المرأة المسلمة في بلادنا ومجتمعنا.
فالتحريم إذن مناط بوسائله لا لذاته.
هذا ومما يؤيد تحريم قيادة المرأة للسيارة عدد من المآخذ الواقعة والتي لا بد من اعتبارها وتأثيرها في الحكم، ومنها:
- أن قيادة المرأة للسيارة سبب رئيس لخروجها من بيتها الذي أُمر نساء المؤمنين بالقرار به في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} الآية.
- انه سبب لخروجها عن قوامة الرجل والله عز وجل يقول: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}.
- أنه سبب مباشر لسفر المرأة بلا محرم يرعاها ويصونها وفي الصحيحين قول النبي r: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم).
- أنه ذريعة لإهدار حرمتها وكرامتها بتعرضها للسفهاء واللئام، أو تعرضها هي للرجال بالأذى والمغازلات والمعاكسات، فإذا قادت البنت والمرأة السيارة لوحدها تحققت هذه الذريعة الواقعة لا محالة للفاحشة، والله تعالى نهى عن قرب الفاحشة فكيف عن الوقوع فيها! قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}.
الأبعاد الأمنية والمروية :
- تسجلُ الإحصاءاتُ المروريةُ الرسميةُ أنَّ هناك تصاعداً في خطورةِ حوادثِ الطرقِ داخل المملكة، هذا الإحصاءُ والنساءُ لم يقدْن، فكيف إذا قادتْ النساءُ فكم ستصبحُ حوادثُ المرور؟ وكم سيكونُ عددُ الضحايا؟وقد أكدتْ الدراساتُ في شتى دولِ العالمِ أن خمساً وثمانين بالمائةِ من أسبابِ الحوادث ترجعُ إلى السائق ؟ مع العلمِ أن الرجلَ أثبتُ قلباً، وأقوى إرادةً، خاصةً في وقتِ الأزماتِ، فماذا سيكونُ الحالُ مع قيادةِ المرأةِ الرقيقةِ الناعمة ؟!!
- وجود الازدحام المؤذي في المدن الكبيرة كالرياض وجُدة مثلاً بدون قيادة المرأة للسيارة، فكيف لو قادت بنفسها!؟
- كذلك يلزم لقيادتها، إخراج رخصة قيادة خاصة بها تشمل صورتها - كذا وجود كادر أمني ومروري من النساء ثم إسعافات نساء.. وهكذا.
الأثر الاجتماعي
-في تضييع المرأة زوجة أو أماً أو بنتاً لواجباتها والحقوق التي عليها من رعايتها لبيتها ومَنْ تعول من الأزواج والأولاد والبنات قال r: " والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ".
الأبعاد الاقتصادية :
- قيادة المرأة للسيارة يسبب عبئاً اقتصادياً على الدولة وعلى ولي أمرها بل عليها نفسها. وسترهق كواهل كثير من الأسر التي تعاني حتى توفر سيارة واحدةً لها، خاصة في ظل التقليد الذي يسري بين الناس فيضطرهم إلى الاستدانة والدخول في دوَّامات التقسيط كما هو ثابت في مجتمعنا.
- إذا قادت السيارة النساء صارت مشاركة بنفسها، أسواق بيع السيارات وحراجها ومدرستها وصيانتها، وسجون توقيف المخالفات في القيادة.. مما يشكل أعباء كثيرة على الدولة.
ثم أما بعد:
فأعيد على بدء بإرجاع هذه الأحكام والنوازل إلى المتخصصين من علماء الشريعة وذوي الفتوى فيها. ولا يجوز ابتذال الموضوع لولوغ غير المؤهلين والمتخصصين بالشريعة فيه، ولو حملوا الشهادات العليا في علوم وفنون أخر، ومن الأدب احترام التخصص، بل هو دين في شريعتنا، أحكام الحلال والحرام، والله - عز وجل - يقول في آية النحل: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
لقد أمر اللهُ عز وجل بالرجوعِ لأهلِ العلمِ كما قال سبحانه : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (سورة النساء :83)
وفي الختام أوجهُ الجميع بما يلي :
أولاً : التواصل الدائم مع ولاة الأمور – أيدهم الله - والعلماء - وفقهم الله – في مثل هذه الأمور وغيرها بالزيارة والكتابة والإبراق لتثبيتهم للبقاء على موقفهم الرافض لقيادة المرأة للسيارة والحرص على الحكمة والموعظة الحسنة ومعرفة ما لهم من أدب واحترام ومنزلة ، وإنكار المنكر إنما يكون بالطرق الشرعية والآداب المرعية مع الحذر في مثل هذه الحالات وغيرها من التجمهر أو الإثارة ، وعلى العلماءِ وطلابِ العلمِ وأئمة المساجد أن يبينوا الحقَ للناسِ في هذه القضية وأثرَها الفاعلَ في فسادِ نساءِ المجتمع.
ثانيا : الحرص على رعاية النساء والبنات الرعاية الاسلامية بتربيتهن على الحياء والعفاف منذ الصغر والقيام بواجب القوامة والولاية .
ثالثاً : على كل وليٍ من الأولياءِ القيامُ بخدمةِ أهليهم وقضاءِ حوائجِ أخواتهِم درءاً لفتنةِ السائقين، وسداً لذريعةِ القائلين بقيادةِ المرأة للسيارة . فقم أيها الأب أيها الزوج بواجب الرعاية والنفقة أد الذي عليك أنت راع ومسؤول عن رعيتك لا تضيع من تقوت وتعول. والابن الصالح يبر والديه لا يحوجهما إلى سائق والبنت الصالحة برة بأمها تساعدها في أمور المنزل لا تحوجها إلى خادمة ، الجارة تعين جارتها في الولائم والمناسبات.
والله سبحانه وتعالى المسؤول أن يلهمنا رشدنا ويوفقنا للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعلي كلمته وينصر دينه ويخذل أعداءه ويحفظ علينا ديننا وأمننا وولاة أمرنا وعلمائنا واجتماعنا وعوارتنا، كما أساله سبحانه أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يعز الإسلام وأهله وأن يذل الباطل ويهدي أهله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .
______________________________ ___________
* إمام وخطيب جامع الاميرة موضي السديري بالعريجاء.