أبرُ البرِ د. سعد بن عبدالله السبر

1

الحمد لله أمرنا بالبر والإحسان وصلة الأرحام، أحمده سبحانه وأشكره على جزيل الإنعام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الملك العلام ، وأشهد أن محمداَ عبدُهُ ورسُولُهُ خير من صلى وصام وطاف بالبيت الحرام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الساعة والقيام.  أَمَّا بُعْدُ : فَأُوصِيكُمْ أَيُّهَا اَلنَّاسُ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اَللهِ فَهِيَ دَلِيلُ اَلسَّعَادَةِ فِي  دَارِ اَلْخُلُودِ ، وَهِيَ اَللَّذَّةُ والأُنْسُ وَالسُّرُورُ (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقَوْا اَللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ([1]) .
أَيُّهَا اَلْمُؤمنون : إن الله أمرنا ببر الوالدين وصلى الأرحام، فقال عز وجل (وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ….) ([2] ) .

أيها المسلمون: إن من أبر البر بالوالدين  صلة ودهم والإحسان إلى صديقهما ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ» ([3] ) .  قال ابن هبيرة رحمه الله : في هذا الحديث من الفقه استحسان سؤال الرجل عن الرجل إذا لقيه في الطريق، فإنه لا يعدم من سؤاله فائدة من أن يعرف نسبه هل يتصل به أو يبعد عنه؛ أو يكون في نسبه من بينه وبينه دم ينحدر منه. وفيه أيضًا إحسان الرجل إلى من بينه وبين أبيه معرفة ومودة، وإن بعد ذلك فإن ابن عمر أكرم هذا الأعرابي لأن أباه كان صديقًا لعمر. ([4] )  . قال النووي رحمه الله: وأما بر الوالدين فهو الإحسان اليهما وفعل الجميل معهما وفعل ما يسرهما ويدخل فيه الإحسان إلى صديقهما كما جاء في الصحيح إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه وضد البر العقوق ([5] ) ،  وقال النووي رحمه الله : وفي هذا فضل صلة أصدقاء  الأب والإحسان إليهم وإكرامهم وهو متضمن لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ والزوج والزوجة  ([6] ) .قال الامام ابن عثيمين رحمه الله:  وفي هذا الحديث دليل على امتثال الصحابة، ورغبتهم في الخير ومسارعتهم إليه؛ لأن ابن عمر استفاد من هذا الحديث فائدة عظيمة، فإنه فعل هذا الإكرام بهذا الأعرابي من أجل أن أباه كان صديقا لعمر، فما ظنك لو رأى الرجل الذي كان صديقا لعمر؟ لأكرمه أكثر وأكثر. فيستفاد من هذا الحديث أنه إذا كان لأبيك أو أمك أحد بينهم وبينه ود فأكره، كذلك إذا كان هناك نسوة صديقات لأمك؛ فأكرم هؤلاء النسوة، وإذا كان رجال أصدقاء لأبيك؛ فأكرم هؤلاء الرجال، فإن هذا من البر.

وفي هذا الحديث أيضا: سعة رحمة الله عز وجل حيث إن البر بابه واسع لا يختص بالوالد والأم فقط؛ بل حتى أصدقاء الوالد وأصدقاء الأم، إذا أحسنت إليهم فإنما بررت والديك فتثاب ثواب البار بوالديه ([7] ) .

أيها الموحدون: وإن من البر الإحسان إلى أصدقاء الزوجة ،  فعن عائشة رضي اللَّه عنها قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَا غِرْتُ عَلَى خديجةَ رضي اللَّه عنها. ومَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، ولَكنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّما ذَبح الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاء، ثُمَّ يَبْعثُهَا في صدائِق خدِيجةَ، فَرُبَّما قلتُ لَهُ: كَأَنْ لَمْ يكُنْ في الدُّنْيَا إِلاَّ خديجةُ، فيقولُ: “إِنَّها كَانتْ وكَانَتْ وكَانَ لي مِنْهَا ولَدٌ” متفقٌ عَلَيهِ.

وفي روايةٍ وإنْ كَانَ لَيذبحُ الشَّاءَ، فَيُهْدِي في خَلائِلِهَا مِنْهَا مَا يسَعُهُنَّ.

وفي روايةٍ كَانَ إِذَا ذَبحَ الشَّاةَ يَقُولُ: “أَرْسِلُوا بِهَا إِلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجةَ”.

وفي روايةٍ قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخُتُ خَديجَةَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَعَرفَ اسْتِئْذَانَ خَديجَةَ، فَارْتَاحَ لَذَلِكَ فقالَ: “اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خوَيْلِدٍ“. قال النووي رحمه الله:  فارتاح لذلك أي هش لمجيئها وسر بها لتذكره بها خديجة وأيامها وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته وإكرام أهل ذلك الصاحب ([8] ) .قال الامام ابن عثيمين رحمه الله: والشاهد من هذا الحديث: أن إكرام صديق الإنسان بعد موته يعتبر إكراما له، وبرا به، سواء كان من الوالدين، أو من الأزواج، أو من الأصدقاء، أو من الأقارب، فإن إكرام صديق الميت إكراما له ([9] ) .

1442-6-9

 

( [1]) سورة آل عمران، آية 201.

(([2]  سورة الإسراء ، آية: 23- 24.

(([3]  رواه مسلم بَابُ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَنَحْوِهِمَا حديث رقم  (2552).

(([4]الإفصاح عن معاني الصحاح (4 / 275) .

(([5]  شرح النووي على مسلم (2 / 76)

(([6]شرح النووي على مسلم (16 / 110)

(([7]شرح رياض الصالحين (3 / 216) .

(([8]  شرح النووي على مسلم (15 / 202) .

(([9]  شرح رياض الصالحين (3 / 220) .

قد يعجبك ايضا