الديار بلاقعٌ

5

الحمد لله حرّم الكذب في اليمين ، ونهى عن اليمين الغموس، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه العظمية وألآه الجسيمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد فأُوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل فمن اتقى نجا وفاز وسَعُد ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون) ( ).

أيها الموحدون: لقد تكلمنا في خطبة سابقة عن الكبائر،و عن الشرك بالله، والسب واللعن ، وفي هذا اليوم نستكمل حديثنا عن كبيرة من الكبائر التي لاكفارة لها وتغمس صاحبها في الإثم والنار وهي اليمين الغموس هي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار ( )،و هي التي لا استثناء فيها قيل سميت بذلك لغمسها صاحبها في المأثم ( ). قال البغوي رحمه الله: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ يَقْتَطِعُ الرَّجُلُ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا لأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِثْمِ، ثُمَّ فِي النَّار ( )ِ. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مَاضٍ كَاذِبًا، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، فَهُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ الَّتِي تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِثْمِ ( ). قال ابن بطال : اليمين الغموس هو أن يحلف الرجل على الشىء وهو يعلم أنه كاذب؛ ليرضى بذلك أحدًا، أو يقتطع بها مالا، وهى أعظم من أن يكفر ( ). قال الله عز وجل : (لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225))، قال القرطبي رحمه الله :والَّذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهِ آثِمٌ كَاذِبٌ لِيُرْضِيَ بِهِ أَحَدًا، أَوْ يَعْتَذِرَ لِمَخْلُوقٍ، أَوْ يَقْتَطِعَ بِهِ مَالًا، فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ وهو اليمين الغموس( )، وقال تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ، فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ” دَخَلًا: مَكْرًا وَخِيَانَةً “( )، وقال عز وجل ((وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) ( ) قَالَ الشَّعْبِيُّ: الحنث العظيم : هُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ، يُقَالُ: حَنِثَ فِي يَمِينِهِ أَيْ لَمْ يبرها ورجح فيها ( ) .

أيها المتقون: إن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم اليمين الغموس وحذّرَ منها، وعدها من الكبائر إلا لا تُغفر إلا بالتوبة النصوح، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، – أَوْ قَالَ: – اليَمِينُ الغَمُوسُ ” شَكَّ شُعْبَةُ وَقَالَ مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: ” الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، أَوْ قَالَ: وَقَتْلُ النَّفْسِ ” ( ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ» قُلْتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ» ( )، وعَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، قَالَ: فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟» فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَيَمِينُهُ» ، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَنَزَلَتْ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ( ).وَفِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاقِعَ» ، مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُفَرِّقُ شَمْلَ الْحَالِفِ، وَيُغَيِّرُ عَلَيْهِ مَا أَوْلاهُ مِنْ نِعَمِهِ، وَقِيلَ: يَفْتَقِرُ وَيَذْهَبُ مَا فِي بَيْتِهِ مِنَ الْمَالِ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن أعجل الخير ثوابا صلة الرحم، وإن أعجل الشر عقوبة البغي واليمين الصبر الفاجرة تدع الديار بلاقع ” ( ). عن ابن مسعود، قال: ” كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس: أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ” ( )

أيها الإخوة: إن اليمين الغموس لاتدخلها الكفارة؛ لِعِظمها وخطورتها وحرمتها عند جمهور العلماء .قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ ( )،وإن البعض يحلف يمينا غموسا ويتجرأ على حدود الله فتارة يكذب وتارة يحلف وتارة يُغلظ اليمين وهو يكذب يريد يضحك على الناس بكذبه، ولا يدري أن كذبه يغمسه في النار ، ويظن أنه ذكيٌ وهو يغمس نفسه في النار، وعلينا أن نصون تعاملاتنا مع أزواجنا وزوجاتنا وأبناءنا وبناتنا وبيعنا وشراءانا من اليمين الغموس وتعمد الكذب في ترويج السلع .

وكتبه/

د.سعد بن عبدالله السبر

11/2/143

قد يعجبك ايضا