الزلازل آية وعبرة

74

” الزلازل آية وعبرة ”
للشيخ محمد السبر 19 رجب 1444هـ

الحمد لله العليم القدير خلق كل شيءٍ فقدَّرَه تقديرًا، أحاطَ بكل شيءٍ علمًا، وأحصَى كل شيءٍ عددًا، ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، وصفيُّه وخليلُه، وخيرتُه من خلقه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصحَ الأمة، وتركَنا على المحجَّة البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا هالِك، فصلواتُ الله وسلامُه عليه، وعلى آل بيتِه الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المُؤمنين، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
عباد الله: خلق الله عباده وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، بسط لهم الأرض ليمشوا في مناكبها، وثبتها بالجبال الرواسي لئلا تميد بهم: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وجعلها سبحانه قراراً ومهاداً وفراشاً وبساطاً وذلولاً تسخيراً منه لعباده ليعمروها بعبادته وحده لا شريك له. قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾. أي قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهاداً، ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾. (تفسير ابن كثير)

وآيات الله تعالى الكونية هي للتخويف والإنذار، وإشعار الإنسان بقدرة الله وقوّته سبحانه، فالموفق يتذكر والمحروم يتكبر ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.

‏الزلازل والبراكين والفيضانات من جملة آيات ﷲ التي يحدثها في الكون؛ إذ في ثوان معدودة يحدث مثل هذا التغير العظيم والدمار الجسيم الذي لا تستطيع قوة في الأرض مهما عظمت أن ترده.
آيات الله تعالى في الكون رسالة ربانية فيها إيقاظ للغافلين، وتنبيه للمعرضين المقصرين في حق ربهم، ودعوة إلى عدم الاغترار بالدنيا، ولا بما يتقلب فيه العبد من نعم ﷲ عز وجل فقد يسلبها في لحظة، وقد يأتيه الموت على حين غرة.

الزلازل آية من آيات الله يخوف بها عباده: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾، ومن تتبع النصوص الواردة في الزلازل يدرك أن لها حكما، والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وقد أهلك الله بالرجفة بعض الأمم، كما قال تعالى عن قوم شعيب عليه السلام:﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:” والزلازلُ من الآيات التي يخوف الله بها عباده، كما يخوفهم بالكسوف وغيره” (الفتاوى 24/264).

وقد تكون الزلازل عتاباً من الله لعباده وتذكيراً ليؤوبوا إليه ويرجعوا عما كانوا عليه من العصيان والتمرد، فلما رجفت الأرض في الكوفة قال ابن مسعود رضي الله عنه: قال: ” أيها الناس! إن ربَّكم يستعتِبُكم فأعتِبُوه”؛ أي: فاقبَلُوا عتبَه، “وتوبوا إليه قبل ألا يُبالِيَ في أي وادٍ هلكتُم”، وقد كان رسول الله  إذا كانت الريح الشديدة عُرف ذلك في وجهه قال الحافظ ابن حجر: “لما كان هَبُوبُ الرياح الشديدة يُوجِبُ التخويفَ المُفضِي إلى الخُشوع والإنابَة كانت الزلزلةُ ونحوُها من الآيات أولَى بذلك، لا سيَّما وقد نصَّ الخبرُ أن كثرةَ الزلازلِ من أشراط الساعة “، وقد تزلزلت الأرض على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:” أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عند شيء أحدثتموه والذي نفسي بيده إن عادت لا أساكنكم فيها أبداً “.رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح.

الزلازل آية لها أسبابها ومسبب الأسباب هو الله، ولولا الله لما قام السبب، وعجبٌ أمر من ينسب الزلازل للظواهر الكونية البحتة أو غضب الطبيعية، ويجردها عن مشيئة الله، فيُعظم السبب وينسب المشيئة له متناسيا قدرة الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، فسبحان من إذا أراد شيئا هيأ أسبابه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

وإنه مع ما في الزلازل من بلايا وآلام ونقص في الأموال والأنفس وخراب العمران فإنها لا تخلو مع ذلك من آثارِ رحمةِ الله بعباده، قال النبي : ” أمّتي هذه أمّةٌ مرحومة، ليس عليها عذابٌ في الآخرة، عذابُها في الدنيا الفِتَن والزّلازل والقتل” أخرجه الإمام أحمدُ وأبو داود، وقال : “من يرِدِ الله بِه خيرًا يصِبْ منه” رواه البخاريّ، أي: ينزل به مِن ألوانِ المصائب ما يكون كفّارةً لذنوبه إذا صبَر واحتسب.
وكثرة وقوع الزلازل من أشراط الساعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي : “لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل وحتى يكثر فيكم المال فيفيض “. رواه البخاري.

كثرة الزلازل مذكرة بالزلزلة الكبرى، زلزلة الساعة، والعاقل اللبيب من يتذكر بهول زلزال الدنيا عظمة زلزلة يوم الدين: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ* لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾، ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ* تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾، ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها﴾.

ومن تأمل أحوال الناس مع زلازل الدنيا ومشاهدها المروعة وحوادثها المؤلمة؛ لكن زلزلة الساعة أكبر من هذا وأفظع، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وردنا إليك رداً جميلا ياذا الجلال والإكرام.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد فاتقوا الله عباد الله، والتمِسُوا رحمتَه وعفوَه، واتقوا أسباب غضبه وسخطه؛ وتخلقوا بخلق أهل الإيمان في المصائب والنوازل، قال الإمام مسلم في صحيحه باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي  قال: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

واعلموا عباد الله أن قِيامَ المسلمين بنَجدةِ المنكوبِين وإغاثةِ الملهوفِين ممن نزَلت بهم الزلازل والكوارث هو من أفضلِ القربات، ومن صنائعِ المعروف التي تقي مصارع السوء، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.

وإن قيام ولاة الأمر-أيدهم الله- بالتوجيه بإغاثة مصابي الزلازل في سوريا وتركيا من خلال جسر جوي وتقديم مساعدات صحية وغذائية وإيوائية، وتنظيم حملة شعبية عبر منصة “ساهم” لتمكين المواطنين والمقيمين من مساعدتهم ليس بمستغرب عليهم في قيامهم بحق إخوانهم المسلمين، فهي امتداد لمواقف المملكة الإنسانية -حرسها الله- في إغاثة المنكوبين، جزاهم الله خيراً وزادهم إحساناً وتوفيقاً.

فلنبادر أيها الإخوة والأخوات بالمساهمة عبر منصة “ساهم” بالمستطاع، لنجدة المنكوبين، فهم في كربة وغربة، مع بذل الدعاء وصدق الرجاء برفع محنتهم والله لطيف بعباده لا يرد سائلا سأله بصدق وإخلاص.

اللهم الطف بعبادك المنكوبين في سوريا وتركيا، وأنج عبادك المستضعفين، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، وحفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، ومساكين فارحمهم يا راحم المساكين.
اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أعذنا من الفتن والشرور، وانصر جنودنا المرابطين في الثغور يا عزيز يا غفور.

قد يعجبك ايضا