الليالي الزواهر في العشر الأواخر

2

الحَمْدُ لله الَّذِي بَدَأَ النِّعَمَ وَأَعَادَهَا, وَأَفَاءَ المِنَنُ وَأَفَادَهَا. نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي بَدَأَتْ بِالمَعْرُوفِ وَتُمِّمَتْ, وَخُصِّصَتْ بِالإِحْسَانِ وَعُمِّمَت, وَ بُرِّأَتْ مِنْ النَّقَائِصِ وَسُلِّمَتْ, وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهِ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تُضِيءُ بِهَا الحَنَادِسْ, وَتَزْكُو بِأَنْوَائِهَا مَنَابِتُ الإِيمَانِ وَالمَغَارِسْ, وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي تَمَّمَ لِلنَّاسِ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ, صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَعْلَى مِنْ نَصَبُوا لِلهُدَى أَعْلَامًا, وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ فأُوْصِيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ, وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَاتَّقَوْا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى, فَأَيَّامٌ العَشْرُ وَالخَيْرُ فِيهَا بَقِيَّةٌ عَظِيْمَةٌ، فَجِدُّوا وَاجْتَهِدُوا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ([2]).

أَيُّهَا الموَحِدُون: أَنْتُمْ فِي نِعَمٍ عَظِيمَةٍ, وَمِنَنٍ وَفِيرَةٍ, وَفِي خَيْرَاتٍ كَثِيرَةٍ, فَاِحْمَدُوا اللهَ وَاُشْكُرُوهُ أَنْ بَلَّغَكُمْ العَشْرَ, وَوَفَّقَكُمْ لِلصِّيَامِ وَالقِيَامِ, فِي أَمْنٍ وَأَمَانٍ, وَرَاحَةٍ وَاِطْمِئْنَانٍ.

أيها الإخوة: أَنْتُمْ فِي لَيَالِ العَشْرِ العَظِيْمَةِ, اللَّيَالِي الزَّوَاهِرِ, الليَالِي  الفَوَاخِر, فَجِدُّوا واجْتَهِدُوْا, وَكَوِّنُوا أَوَّلَ السَّابِقِينَ إِلَى مَوْعُودِ الله, وَأَوَّلِ القَادِمَيْنِ عَلَى اللهِ, وَاِجْعَلُوا شِعَارَكُمْ (وَعَجَّلْتَ إِلَيْكَ رُبَى لِتَرْضَى ).

أيها القانتون: أَيَّامُ عُشْرِكُمْ فِيهَا لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ, وَفِيهَا الخَيْرُ وَالأَجْرُ, والعِتْقُ مِنْ النِّيرَانِ, تَحَرَاهَا نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَحَثَّ عَلَى تَحَرِّيهَا, وَالجِدِّ وَالاِجْتِهَادِ فِيهَا ، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»  ([1]) ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى»  ([2]) ، و روى  الترمذي : أن  النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ» ، «وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ أَنَّهَا لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَآخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ» .

أيها التائبون:  إِنَّ العَشْرَ جِدٌّ وَقِيَامٌ, وَعَمَلٌ, وَتَنَوُّعٌ فِي الصَّالِحَاتِ, وَمُسَابَقَةٌ لِلخَيْرَاتِ, وَتَقَرُّبٌ لِرَبِ البَرِّيَّاتِ, وَتَعَرُّضٌ لِلنَّفْحَاتِ,،  فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ»  ([3]) ،  وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»  ([4])،وَذَكَّرَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ اِبْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: عَجَبًا لِلمُسْلِمِينَ تَرَكُوا الاِعْتِكَافَ, وَإِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَلَامُ لَمْ يَتْرُكْهُ مُنْذُ دَخَلَ المَدِينَةَ كُلَّ عَامٍ فِي العَشْرَ الأَوَاخِرُ حَتَّى قَبَّضَهُ اللهَ ([5])  .

أيها المؤمنون: إِنَّ هَذِهِ اللَّيَالِي شِعَارُهَا  اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوُّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: ” قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي “. قَالَ التَّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [ حَكَمَ الأَلْبَانِيُّ ]: صَحِيحٌ, وَرُوَاهُ اِبْنُ مَا جَةَ.

إِخْوَانِي:  يَا أَرْبَابَ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الكَرِيمَةِ، فَكَمْ يُعْتَقُ فِيهَا مِنْ النَّارِ مِنْ ذِي جَرِيْرَةٍ وَجَرِيمَةٍ، فَمَنْ أُعْتِقَ فِيهَا مِنْ النَّارِ فَقَدْ فَازَ بِالجَائِزَةِ العَظِيمَةِ وَالمِنْحَةِ الجَسِيمَةِ ([6]) .ارْجُو العَفْوُ مَنْ رَبِّكُمْ، فَكَيْفَ لَا يُطْمَعُ فِي عَفْوِهِ، وَفِي الصَّحِيحُ: أَنَّهُ بِعَبْدِهِ أَرْحَمَ مِنْ أُمِّهِ:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} [الزمر: 53] .

أيها المسلمون: إِنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ، يَجِبُ إِخْرَاجُهَا عَنْ الكَبِيْرِ وَالصَّغِيْرِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالحُرِّ وَالْعَبْدِ؛ لحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ» ([7]، وَيَجِبُ إِخْرَاجُهَا: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَيْلَةَ العِيدِ وَهُوَ يَمْلِكُ مَا يَزِيدُ عَنْ قُوْتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، .. وَوَقْتُ الإِخْرَاجَ يَبْدَأُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ العِيدِ, وَالأَفْضَلُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العِيدِ.

وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ لَيْلَةَ العِيدِ، وَالجَهْرُ بِهِ فِي المَسَاجِدِ وَالبُيُوتِ وَالأَسْوَاقِ تَعْظِيمًا لِلهِ وَشُكْرًا لَهُ عَلَى تَمَامِ النِّعْمَةِ، قال الله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ([8]) , وَعَلَيْكُمْ بِصِيَامٍ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالِ, فَعَنْ أَبِي أَيُّوبُ الأنصاري أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانُ ثُمَّ أَتْبَعَهُ ستًا مِنْ شَوَّالِ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)).

 

وكتبه /

د. سعد بن عبدالله السبر

الأربعاء 21رمضان14379


[1])) رواه البخاري بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِر    حديث رقم2020صحيح البخاري (3 / 47)

[2]))   رواه البخاري بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِر     حديث  رقم 2021صحيح البخاري (3 / 47)

[3])) رواه البخاري  بَابُ العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ حديث رقم 2024صحيح البخاري (3 / 47)

[4])) بَابُ الِاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالِاعْتِكَافِ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا صحيح البخاري (3 / 47)

[5])) شرح صحيح البخاري لابن بطال (4 / 181)

[6])) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 2)

(([7] رواه البخاري بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الفِطْرِ حديث رقم 1503 صحيح البخاري (2 / 130)، ورواه مسلم بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ حديث رقم 984 صحيح مسلم (2 / 677).

(([8] سورة البقرة، آية:185.

قد يعجبك ايضا