” ولا تتبعوا السبل ” خطبة

22

خطبة: ولا تتبعوا السبل

الجمعة 16 ربيع الأول 1443هـ  للشيخ محمد السبر

الحمد لله الذي حثَّنا على الاعتصام بالكتاب والسنَّة، ونهانا عن البدعة والفرقة، أحمده سبحانه وأشكره على ما أسدى فهو ذو الفضل والمنَّة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق الناس والجِنة، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه قائدُ المؤمنين ودليلُ الملة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه واتباعه في السرَّاء والمُلِمَّة.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون(.

عباد الله: إن الله تعالى أمر بالاجتماع على الحق ونهى عن التفرق والاختلاف فقال تعالى: ” إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون”، كما أمر سبحانه العباد باتباع الصراط المستقيم، ونهاهم عن السُبل والطرق التي تصرف عن الحق، فقال سبحانه: ” وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون”.

وإنما يكون اتباع صراط الله المستقيم بالاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنّ مِن السبل التي نهى الله تعالى عن اتباعها المذاهب والنحل المنحرفة عن الحق، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال : ” هذا سبيل الله مستقيماً”، ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال : هذه السبل ليس منها سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : ” وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله” رواه الإمام أحمد. وقال الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:” فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتقرق بكم عن سبيله” وقوله: ” أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه” ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله.

الاعتصام بالكتاب والسنة، هو سفينة النجاة، وأساس اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، والوقاية من الشرور والفتن، قال تعالى: ” واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا “.

ولذلك جاءت شريعة الإسلام بالحث على الاجتماع، وذم الحزبيات والجماعات التي تفرق الناس، ومنها الجماعات التي تجعل لها رئيسًا أو مرشدا تتبعه وتجعل له بيعة. يقول الشيخ الفقيه محمد بن عثيمين رحمه الله:” ليس في الكتاب ولا السنة ما يبيح تعدد الأحزاب والجماعات، بل فيها ما يذم ذلك؛ حيث قال تعالى: ” إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء”.. ويقول الشيخ عبدالله بن غديان رحمه الله: ” كل جماعة تضع لها نظامًا، ورئيسًا، وتأخذ له بيعة، ويريدون الولاء لهم؛ هؤلاء يفرقون الناس”. .

وقد سئلت اللجنة الدائمة ورئيسها – إذ ذاك – سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: عن حزب التحرير وحزب الإخوان المسلمين فأجابت: بأنه لا يجوز أن يتفرق المسلمون في دينهم شيعًا وأحزابًا، يلعن بعضهم بعضًا، ويضرب بعضهم رقاب بعض، فإن هذا التفرق مما نهى الله عنه وذمّ من أحدثه أو تابع أهله، وتوعّد فاعليه بالعذاب العظيم، وقد تبرأ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم منه..”.

فعُلم من هذا – عباد الله – أن كل ما يؤثر على وحدة الصف والاجتماع حول ولاة أمور المسلمين من تأسيس جماعات ذات بيعة وتنظيم، أو غير ذلك، فهو محرمٌ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع عموم سلف الأمة.

وهذا أصل عظيم متفق عليه بين علماء المسلمين، ومستمد من الوحيين، وهو أن الجماعة واحدةٌ رأسها ولي الأمر، والبيعة له، ولا يجوز في ظل سلطانه أن تتكون جماعة أخرى لها بيعة وتنظيم، فالجماعة واحدة، والولاية واحدة، والبيعة واحدة لا ثاني لها، هذا هو منهج الإسلام، الذي قرَّره الكتاب والسنة، وسار عليه سلف هذه الأمة كابراً عن كابر.

والجماعات المعاصرة ذات التنظيم والبيعة قائمة على مخالفة أصل الاجتماع وعدم الافتراق، ودعوتها مبتدَعة، بل هي دعوة حزبية لا دينية، ومؤدَّاها الخروج على ولاة الأمر، والتأريخ خير شاهد على ذلك، وبذلك يصدق عليهم وصف الخوارج، كما قال الإمام أيوب السختياني رحمه الله:” إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف”.

كما أن وجود هذه الجماعات والفرق بمختلف التسميات وغضَّ الطرف عنها مقدمة للشقاق والفرقة، وهو كذلك موجب للعداوة والبغضاء والتنابز بالألقاب بين فئات المجتمع.

ومن هذه الجماعات المعاصرة ” السرورية ” المتفرعة عن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة التي حذرت منها هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، فهي دعوة إخوانية في صورة سلفية، تنتشر في الخليج العربي وبعض الدول العربية والإسلامية، وتنتهج السريّة في عملها، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة من التحريض على ولاة الأمور، والوقيعة في العلماء، وتأييد المظاهرات والاعتصامات، والدعوة إليها، وغيرها من المخالفات الشرعية ، متخذة الغيرة والعاطفة الدينية لدى العوام والشباب خاصة شماعة لتحقيق مآربهم والزج بهم في أتون الفتن والصراعات.

وهذه التنظيمات وللأسف تحركها أيادٍ خفيّة، لتنفيذ أجندة خارجيّة، عن طريق خلايا سريّة إرهابية، لتدمير الأوطان، وتشويه الدين وسمعة منتسبيه.

فعلى الجميع الحذر والتحذير من هذه الجماعات وعدم الانتماء إليها أو التعاطف معها.

والله نسأل أن يحفظنا جميعاً من كل شر وفتنة.

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة…

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وسمع الله لمن دعا وبعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا رحمكم الله أن الاعتصام بحبل الله المتين هو الحِصنُ الحصين، والحِرزُ المتين لجمع كلمة المُسلمين، ولمِّ شملِهم، وقوَّتهم ومنَعَتهم. والسمعُ والطاعة لولاة أمور المسلمين في المعروف فيه خير الدنيا والآخرة وبه تنتظم مصالح العباد، وتأمن البلاد، ويقطع دابر الشر والفساد. )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

وواجب المسلمين التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق هدي نبيهم، والدعوة إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، ودرء الفتن أيا كان مصدرها، ولجم أصوات التنازُع، ونبذ الهوَى والتعصُّب. فهذا مقصدٌ أسمَى، ومسلكُ المُخلِصين وطريقُ الناصِحين.

ألا وصلوا – رحمكم الله – على نبيكم محمد بن عبدالله ..

قد يعجبك ايضا