حمى التوحيد __ للشيخ سعد السبر

حمى التوحيد
الحمد لله الذي خلق العباد ليعبدوه ، وبصَّرهم طريق الحق ليشكروه ، نحمده حمدا متتاليا وإن كان يتقاصر دون حقه حمد الحامدين ، ويتقهقر دون شكره ثناء المادحين ، فله الحمد على أن يسَّرنا للهداية ، وأبعدنا عن طريق الغواية ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شربك له في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته ، جل عن الند وعن الشبيه وعن المثيل وعن النظير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، بعثه بالنور المبين ، لينقذ الناس من الظلمات إلى النور ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد : فأوصيكم أيها الناس بتقوى الله عز وجل ، فهي الحجاب عن لهيب العذاب ، وهي الباب عن أليم العقاب ، ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ، ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) .
أيها المؤمنون : مازالت الإنفلونزا الفكرية تنهش من عضد الأمة ، ولم يتصدَّى لها لا بالقليل ولا بالكثير ، سوى أوهام نضعها أمام أعيننا ، فوضع ذلك دافعاً لتفشّيهَا بين أزقة الجهل ، ومراتع الغشاوة ، وفي وقت سباتنا العميق ، كان لجنودِ الشرك أن يتيقَّظوا ، فانطلقت حملات التنصير في مشارق الأرض ومغاربها ، وشقَّت الأمصار القاصية ، في الدعوة إلى دينهم الباطل ، فلما غاب دعاة التوحيد عن الصدع بلا إله إلا الله , انتشرت في بلاد المسلمين المساوئ العقدية ، والهمهمات الفكرية ، وطرح الإعتقادات الباطلة بأسلوب يُدعى أنه أسلامي لتضليل العقول ، وتضييع الثوابت الإسلامية ، ومن أعظم هذه الثوابت ، وأجلَّها على الإطلاق ، وأعظمها عند الله ، هو التوحيد ، الذي هو حق الله العبيد ، فبهِ حياة الشعوب ، وبهِ يعيش الجنس البشري في إنسانية راقية ، لا بهيميَّة تُحكِمُهَا نحو القتام ، ولا ضلال يسوقها إلى الإعدام ، فهذه قريش كانت تسير في ظلام الجاهليَّة ، بعقولٍ صخريَّة لا ترضى أن ينفذ إليها ماء التوحيد ، أو يشتّت أذهانها ، ففتِئَت تنهلُ من ماءِها الآسن ، وبرِحَت تتخبّطُ في صحراءِ الشرك ، وتهيم في وعثاءها ، حتى أُحكِم الشرك حول عنقها ، فصارت تائهةً لا دستورَ تقنِّن خطاها على تعاليمه ، ولا كتاب تحكِمُ مسيرها على قوانينه ، فجاءها محمد صلى الله عليه وسلم ، لينتشلها من مستنقع الضلالة ، إل منبع الرسالة.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجًّنَةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ . قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ فَخَرَجَ أَبُو ذَرِّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ ).,وقبل ذلك يقول الحق ( إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء )
فكل الذنوب مغفور بفضل علام الغيوب إلا الشرك فبالتوحيد عاشوا ملوكا وتحرروا من الرق إلا لرب العاملين وبالشرق كانوا رقيقا
أيها الأحبة : دارت رحى السنين حتى تجلَّت على الكونِ صورةُ التوحيد في أبهى حُللِه ، فرَسَمَ في أذهان الخلائق أن لا عيشاً رغيداً ، ولا حياة هانئة إلا تحت ضلال هذه العقيدة الصحيحة ، وهذه الرسالة الحقَّة ، فلما أظهر أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم التوحيد ، وأعلنوا بهِ أمام الملأ ، كان لهم العز والتمكين ، وكانت لهم الإعانة من الله عز وجل ، فسادوا على أرباب الملك ، وصعدوا إلى أوج العز ، ولم يكن لهم كل هذا إلا بالتمسك بالتوحيد ، وإظهاره وتعليمه للناس ، فهاهنا كانت لهم تلك الهيبة في قلوب أعدائهم بالتوحيد ، فبحقيقة العبادة ، تساق الخلائق في الآخرة فالمؤمنون في رغد بما يعبدون وما سواهم في النار وما يعبدون : ( إنكم وما تعبدون من دون الله في نار جهنم خالدون ) . وللترمذي وحسنه عن أنس سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (قال الله -تعالى-: يا ابن آدم لو آتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) . فإن بلغت الذنوب عنان السماء ، ولكن القلب يقرُّ في جنباته معنى التوحيد فالمغفرة مازالت مرجوَّة ، والإنابة مازالت مُؤمَّلة .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بَهَا وَجْهَ اللهِ ).
فتعلَّقت القلوب بالدنيا ، وزهدت في قيمة التوحيد وفي الدعوة إليه .
إخوة العقيدة : مع مرور الزمان تهاونت الجماعات الإسلامية بقيمة التوحيد ، فلهذا كانت دعوتهم غير صالحة ، فلقد بات النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى التوحيد ثلاث عشر سنة ، فلما قوَت شوكته ، وانجلت دعوته ، أخذ ينازع فيها المشركين ، فلم يحيد إلى خطوة أخرى البتّة قبل أن يُصَحِّحَ التوحيد من عقول المشركين ، وأن يجلو عن أذهانهم معالم الجهل ، ومن بعدها انتقل إلى ما سواها ، فبهذا يُعلم أنه ليس أعظم من ثبات حقيقة التوحيد في العقول ، ورسوخِها في الأذهان ، فإن تعلَّم الناس هذا المبدأ ، ونُقِش في دواخلهم هذا الدستور ، كان لنا النصر والتمكين ، وهذا موسى عليه السلام يسأل ربَّه .
فعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : (قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به قال: قل يا موسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا . قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ) رواه ابن حبان والحاكم، وصححه.
وكذلك كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ، حين طغى على عقول الناس الجهل ، فأخذوا يطرقون دروب الشرك ، ويسيرون حذو مهاوي الردى ، حتى جاءهم نور التوحيد فتبّصروا به درب النجاة ، وسيقوا به إلى الجنان ، فظهرت دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب ، وانتشرت إلى أصقاع الأرض ، وكان لها القبول بفضل الله ، فإن بحثنا عن هذا سر هذا القبول وجدنا مصدره التوحيد .
فالتوحيد هو في مقدمة الدعوة إلى الله ، ومن أول الأولويات .


